للمقاومة سحرها في وعينا: السياسي منه وما دون السياسي. وما يجوز للمقاوم لا يجوز لغيره، حتى لو كانت الكارثة ما يلوح في آخر نفق مقاومته. لا أحد يسأل المقاوم عن أكلاف مقاومته. عن تركيبها. عن وعدها. عن إيديولوجيتها. عن احتمالاتها. عن قواها. عن ظروفها. المقاومة، مثل الخير، لا تُسأل ولا تُساءل لأنها تقاوم الشر. وهل يُسأل الشر أو يُساءل؟ هذا وعي خرافي. وإذا كانت المقاومة اكتسبت هالتها السحرية لأنها قاومت الاستعمار، فلنلاحظ أن الأمور، في العراق وفي غير العراق، تغيرت وتتغير. أولاً، إبان عهد الاستعمار لم تكن الجماعات الطائفية والجهوية قد تشكلت كمؤسسات وكهويات شبه ناجزة. كانت موجودة فقط كحالات خام. لهذا أمكن تجميعها في "وطنية" تقاوم الاستعمار. لهذا أمكنت "ثورة العشرين" العراقية مثلاً. لهذا أمكن أن تنشأ أحلاف بين نُخب المدن السنية من القوميين وبين أهل الأطراف غير السنة وأحياناً غير المسلمين. هذا اختلف الآن: فدول الاستقلال الفاشلة لم تؤسس إلا هذا النوع من الوعي الطائفي والجهوي، بينما مزّقت الروابط الوطنية والدستورية الناشئة، أو كادت. هذا يعني: أن السلاح المقاوم سيكون الآن سلاح جماعة بعينها لا سلاح وطن. وسلاح الجماعة يستنهض سلاح الجماعة الأخرى طلباً للحماية. إذاً: ما يبدأ وطنياً في الخطابات والبيانات يتحول، في الواقع، تمزيقاً للوطن. يتحول حرباً أهلية. ثانياً، موضوعة الاستعمار بعد تجربة الاستقلالات اختلفت عنها قبل تجربة الاستقلالات. فحين كانت الدولة الاستقلالية وعداً كان رفض الاستعمار موضع إجماع وطني. لكن بعد فشل الكثير من التجارب الاستقلالية، صار الموضوع مُشكَلاً أكثر بكثير: صار هناك لدى فئات عريضة، في هذا المجتمع أو ذاك، طلب على الاستعمار. والطلب كثيراً ما يفوق العرض الاستعماري بدليل المناشدات التي تطلب التدخل: مرة في البلقان. مرة في العراق. مرة في فلسطين. مرات في أفريقيا. هذا سياق كوني مخالف لسياق الأربعينات - الستينات الذي شهد ولادة ونمو الحركات الاستقلالية في المستعمرات. الوضوح والقطع اللذان اتسم بهما السياق الأول حل محلهما الالتباس والتردد في السياق الثاني. حين يصل الأمر إلى العراق، يضاف عاملان آخران: الأول، المشكلة الكردية. فتأزّم الوضع العراقي واحتدام العلاقات بين الجماعات الأهلية على إيقاع المقاومة، سيشكلان فرصة لإدراج الموضوع الكردي في مسار مغاير لإجمالي المسار العراقي. وتطور نزعة كهذه لا بد أن يصطدم باعتبارات إقليمية شديدة التعقيد. الثاني، والأهم، أن صدام حسين إن لم يكن هو المقاومة فهو مُكوّنها الأبرز. هذا يزيل التباسات كثيرة حول طبيعتها وبديلها المقترح أو المعلن. حول المقابر الجماعية التي ستكون وعد المقاومة، أو تجديد وعدها. يُستحسن التفكير بطريقة أخرى تحكمها أولوية الجدوى للعراق وشعبه، وليس الأذى للأميركان. والأميركان في العراق لن تقدم لهم هذه المقاومة غير سبب وجيه كي يكونوا على الصورة البشعة المرسومة لهم، والتي يساهمون هم بنشاط في رسمها. سبب كي يمضوا في الحرب التي لم تنته، ويعزفوا حتى عن توفير الكهرباء!