الكتاب: بلاغة السرد القصصي في القرآن الكريم المؤلف: د. محمد مشرف خضر الناشر: دار العواصم للنشر والتوزيع يأتي كتاب "بلاغة السرد القصصي في القرآن الكريم" لكاتبه الدكتور محمد مشرف خضر، مغايراً لما سبقه من كتب في الموضوع نفسه، حيث يخرج الكتاب من المنهج الانطباعي الذي يحاول الباحث من خلاله تفسير مشاعره تجاه القصة أو تقديم انطباعاته حولها، فيستخدم منهجاً مغايراً في طبيعته كمنهج لا يعطي انطباعات ذاتية بل يقدم حقائق علمية. ويبدو أن المؤلف عندما بدأ كتابه هذا عُني بالبحث في النص القصصي القرآني من خلال قسمين أساسيين: القسم الأول يبحث في القصة القرآنية بصفتها متناً حكائياً يهتم بمجموع الأحداث المتصلة في ما بينهما، وتمثل مادة أولية للحكاية الواقعة من أشخاص. أما القسم الثاني فيدرس القصة بصفتها خطاباً ذا شكل خاص، وقد تناول المؤلف هذه الخصوصية من خلال المنظومة الثلاثية: الزمن والصيغة والرؤية السردية، حيث تنشأ خصوصية الزمن من العلاقة بين زمن القصة وزمن الخطاب وخصوصية الصيغة من التنوع الخطابي في النص وخصوصية الرؤية السردية من العلاقة بين المتكلم والنص. ونجد أن المؤلف قبل أن يشرع في الكتابة قد بحث كثيراً في مناهج دراسة بلاغة السرد مثلما جاء به الشكليون الروس الذين اجتهدوا في البحث عن الأنساق البنيوية في الحكاية، كما درس البنيويون وغيرهم محاولاً استيعاب كل نظريات السرد لكي يتمكن من التعامل مع النص القصصي القرآني، ولكننا نجد المؤلف في الوقت نفسه يعترف بصعوبة وجود منهج معين يستطيع من خلاله تحليل القصة القرآنية. ولهذا أخذ من كل مدرسة ما يناسبه حيث يأخذ من الشكليين الأوائل منهجهم في دراسة القصة من حيث المحكى، بدءاً من ضرورة الاعتماد على بنائها الداخلي وانتهاءً إلى ما كان يطمح في الوصول إليه من وصف للحكاية وفق مكوناتها الأساسية وعلاقة هذه المكونات ببعضها بعضاً من ناحية، وأحدها بالآخر من ناحية أخرى- كما يأخذ المؤلف من البنيويين أسلوبهم في السرد القصصي من حيث هو الخطاب المتمثل في المنظومة الثلاثية للتحليل السردي، وهي: الزمن، الجهة، والصيغة. وخلال صفحات الكتاب لم يستطع المؤلف ان يفصل بين كلمتي القصة - القرآنية. فالقصة هنا لها خصوصية تأتي من هدفها وترجع إلى طبيعة الكتاب الكريم، فهو كتاب دعوة والقصص فيه وسيلة من وسائل الدعوة حيث يقول الله تعالى في كتابه الكريم: "فاقصص القصص لعلهم يتفكرون"، الأعراف 176، و"لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب"، يوسف 111. وعلى صفحات الكتاب نجد أن المؤلف عرض لمجموعة كبيرة من القصص بداية من قصة خلق آدم مروراً بقصص الأنبياء والرسل مثل هود ونوح ويوسف وسليمان وعيسى عليهم السلام، كما عرض لقصص أصحاب الكهف، وقارون وغيرها من القصص التي فيها دعوة وعِبرة للمؤمنين. ومن حيث خصائص المتن القصصي في القرآن الكريم يذكر المؤلف أن ثمة قصصاً يَرِدُ ذكرها أكثر من مرة في مواضع مختلفة من الكتاب الحكيم وقصصاً أخرى ترد مرة واحدة فقط وأن النوع الأول يأتي في كل مرة في شكل مختلف وفيها جميعاً نواة وظيفة تتكرر فيما عدا قصص آدم الذي يمثل مقدمة وسبباً في وجود هذه النواة حيث نقرأ مثلاً في ختام قصة آدم من سورة البقرة 39 - 39 قوله تعالى: "قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون" و"الذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون". ثم تتوالى القصص بعد ذلك: يأتي الهدى من الله"فيتبعه الناجون، ويكذب به الهالكون - ومن ثم كانت تلك النواة الوظيفية التي انبنى عليها جميع القصص الآتي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، والرفض والاستكبار، ثم نجاة المؤمنين وإهلاك الكافرين - ويشير المؤلف إلى ان هذه البنية توجد في كل القصص حيث تتغير الشخصيات وتظل الوظائف ثابتة من الدعوة والتكذيب والعاقبة وكأنها قصة واحدة تتكرر حلقاتها على الصورة نفسها كلما مرت فترة نسي فيها الإنسان عداوة الشيطان ووعيده القديم - غير أن الهدف الذي تأتي من أجله القصة - من قصص النبي الواحد - يجعلها تختلف في كل مرة في بنيتها الوظيفية فيكون التركيز على وظائف دون غيرها، مما يؤثر في متتالية الوظائف فيجعلها بالتالي قصة جديدة في كل مرة. أما القصص المفردة الذكر في القرآن فيؤكد المؤلف تماسكها تماسكاً منطقياً وزمنياً في الوقت ذاته بحيث تقوم كل وظيفة على سابقتها وفق امتداد خطي تسلسلي غالباً وكل وظيفة لها دورها الذي يحدده السياق. وبالنسبة الى شخصيات السرد القصصي، يوضح لنا المؤلف أنها المكون الثاني للمتن الحكائي بعد الأحداث، ويذكر أن التعرف على هذه الشخصيات يأتي من طرق عدة منها الأفعال التي تقوم بها الشخصية والأوصاف التي توصف بها، إضافة إلى ما تقوله الشخصية عن نفسها وما يقوله الآخرون عنها سواء كانوا معها أو ضدها. والأهم من كل هذا يوضح المؤلف العلاقات القائمة بين الشخصيات وهي تقوم بدور كبير في الكشف عن الشخصية السردية. ويخلص المؤلف في موضوع شخصيات السرد إلى سيطرة نموذجين متقابلين على شخصيات القصص: نموذج الشر الذي يبدأ مع قصة الخلق الأول متمثلاً في إبليس ويمتد إلى بقية القصص متمثلاً في أتباعه السائرين على دربه من المكذبين الضالين، ويقابله نموذج الخير الذي يمثله دائماً أنبياء الله المرسلون بالهدى منه تبارك وتعالى وأتباعهم من المؤمنين المهتدين. وفي ما يختص بالقصة القرآنية بصفتها خطاباً سردياً فيتحدث المؤلف عن البنية الزمنية في القصص والصيغة السردية والرؤية السردية. أما خصائص البنية الزمنية فيذكر أن علاقات الترتيب بين زمني القصة والسرد تبدأ باستباق يهيئ نفس المتلقي ويوجه توقعاته مثل القصص الموجودة في سورة القمر التي تبدأ جميعها باستباق يحدد موضوع القصة الذي كان دائماً تكذيب قوم نبي من الأنبياء. وأشار إلى أن القصة القرآنية تخضع لزمنيتين مختلفتين: الأولى تتعلق بزمن القصة القرآنية، والثانية بزمن النص القرآني"وزمن القصة يبدأ مع الدخول الفعلي في عالمها وزمن النص القرآني يحيط بزمن القصة ويحتويه. فالقصة تكون بكاملها استرجاعاً أو استباقاً حين تتعلق بهذا الحاضر الزمني للن. وعن الصيغ السردية في القرآن يذكر المؤلف أن من أهم صيغ الخطاب في القصص صيغة المنقول المباشر التي تهيمن على الحكي والتي تبين الوظائف أو الأحداث الرئيسة في القصص، حيث نجد دائماً وظيفتي الدعوة والتكذيب تأتيان بصيغة المنقول المباشر بعد أن يتم التحضير لهما بصيغة الخطاب المسرو.