نوقشت في كلية الآداب في جامعة طنطا في مصر اخيراً اطروحة دكتوراة أعدها الباحث محمد مشرف خضر، وموضوعها "بلاغة السرد القصصي في القرآن الكريم" وهو موضوع تناولته من قبل دراسات كثيرة، لذلك طرحه خضر من زاوية جديدة، تتمثل في التعامل مع النص القصصي في القرآن الكريم من خلال المنهج السردي البنيوي. ويضيف أنه إذا كانت الشعرية تلغي الحد الفاصل بين الشكل ومحتواه، فإنه في هذا البحث فصل بينهما فصلاً إجرائياً في محاولة لفهم تلك الوحدة في العمل الذي يتناوله كقصة او قول أو خطاب. وجاءت الأطروحة في بابين، تناول الاول المتن الحكائي، والثاني المبنى الحكائي. وقصد الباحث بالمتن الحكائي، مجموع الاحداث المتصلة في ما بينها وتمثل مادة أولية للحكاية الواقعة من اشخاص، تربطهم علاقات تحفزهم لفعل ما يفعلون. وجاء هذا الباب في فصلين، الأول تعرض لوظائف السرد، ووجد خضر في هذا الصدد أن ثمة نواة وظيفة تتكرر في قصص الانبياء في القرآن الكريم، باستثناء قصص آدم عليه السلام الذي يمثل مقدمة وسبباً في وجود هذه النواة. وكانت تلك النواة الوظيفية الثلاثية التي قامت عليها قصص الانبياء في القرآن الكريم. الفصل الأول في تلك الثلاثية الدعوة إلى عبادة الله وحده، والثاني، الرفض والاستكبار، والثالث نجاة المؤمنين وإهلاك الكافرين، هذه النواة، كما يذكر الباحث، تقابلنا في كل مرة في قصص الانبياء، تتغير الشخصيات بينما تظل وظائفها ثابتة، تظل الدعوة، ويظل التكذيب، وتظل العاقبة، وكأنها قصة واحدة تتكرر حلقاتها على الصورة نفسها كلما جاءت فترة نسي فيها الناس عداوة الشيطان ووعيده القديم. ودرس الباحث في الفصل الثاني، شخصيات القصص القرآني، والتي برز فيها نموذجان متقابلان. نموذج الشر، ويبدأ مع قصة الخلق الاول في شخصية إبليس، ويمتد الى بقية القصص مع أتباعه السائرين على دربه من المكذبين الضالين. يقابله نموذج الخير الذي يمثله دائماً أنبياء الله المرسلون بالهدى منه تبارك وتعالى، وأتباعهم من المؤمنين المهتدين. ومن خلال جدل العلاقة بين هذين النموذجين، وجدنا هيمنة علاقة الرغبة على هيكل العلاقات بين شخصيات القصص، رغبة المؤمنين في هداية الضالين، ورغبة الكافرين في هلاك المهتدين. وفي الباب الثاني درس الباحث القصة القرآنية بوصفها خطاباً ذا شكل خاص له بنيته الزمنية، وله صيغته، وله رؤيته السردية، إذ تنشأ خصوصية الزمن من العلاقة بين زمن القصة وزمن الخطاب، وخصوصية الصيغة من الشكل الذي يأخذه التنوع الخطابي في النص، وخصوصية الرؤية السردية من العلاقة بين ضمير المتكلم والنص. وجاء الباب الثاني في ثلاثة فصول، درس الباحث في الفصل الأول البنية الزمنية في القصص القرآني، ولاحظ هيمنة المشهد الحواري على السرد القصصي، وأنه يتكفل بعرض الاحداث الرئيسة، كمثل حدثي الدعوة والتكذيب في قصص الانبياء إذ يأتيان دائماً على هيئة مشهد حواري، وهما الوظيفتان الاكثر اهمية في القصص القرآني باعتباره وسيلة من وسائل الدعوة، ومن خصائص المشهد الحواري ان الزمن القصصي يلتحم فيه بالزمن السردي، فيصير بذلك حاضر السرد هو حاضر الأحداث، ويصبح المتلقي مشاهداً يعاين الاحداث بنفسه، ويعيشها لحظة بلحظة. وفي الفصل الثاني درس الباحث الصيغة السردية في القصص القرآني، فلاحظ هيمنة الخطاب المباشر على الحكي، طابعاً إياه بطابع أمانة النقل للقول الذي يجري نقله. وبهذه الصيغة تأتي الوظائف المهمة، فنجد مثلاً وظيفتي الدعوة والتكذيب في قصص الانبياء، تأتيان بهذه الصيغة، صيغة الخطاب المنقول المباشر. وفي الفصل الثالث درس الباحث الرؤية السردية في القصص القرآني، فلاحظ هيمنة الرؤية السردية المحايدة على الحكي، وفي هذه التقنية تترك شخصيات السرد تتحدث بأصواتها من دون تدخل خارجي مما يترك انطباعاً لدى المتلقي بصدق ما يتلقى، حين يجد نفسه مشاركاً في الحكي بوصفه مشاهداً حاضراً ومستمعاً لما يجري من حوار تتجلى هذه الرؤية في وظيفة الدعوة في قصص الانبياء وما يصاحبها من جدل وتكذيب، والحاجة إلى معرفة التفاصيل المتلبسة بالدعوة، كعلاقة الرسول بقومه، ومنهجه في دعوتهم، وهدفه منها، كل هذا يجري أمام عيني المتلقي من خلال الرؤية المحايدة، فيرى بموضوعية. وعليه من ثم أن يحكم بعقله على ما يرى، وأن ينحي جانباً كل حكم للهوى او للعادة.