هل يذكر القارئ الكتاب "آيات شيطانية" وفتوى آية الله الخميني بقتل المؤلف سلمان رشدي؟ قبل عقدين من الزمن ما كان أحد يتجرأ على مهاجمة الإسلام، وإن فعل يدفع الثمن، كما دفع سلمان رشدي من حرّيته الشخصية سنوات. اليوم هناك "موسم مفتوح" على الإسلام والمسلمين، مثل موسم صيد البط، فالارهاب المجنون سلّط الأضواء والأقلام على المسلمين ودينهم، وهكذا فقد قرأت في 11 الجاري مقالاً كتبه بيتر هتشنز في "الميل أون صنداي" خلاصته ان الإسلام "خطر علينا جميعاً"، وهو لا يتحدث عن متطرّفين أو إرهابيين، وإنما عن الجميع، ففي رأيه لا يوجد بين المسلمين معتدل ومتطرّف. في اليوم نفسه قرأت في "الصنداي تلغراف" الصهيونية مقالاً كتبه ويل كمنز وطالب فيه بحق انتقاد الإسلام. والموضوع يحتاج الى خلفية تشرحه، فالمقالان جاءا بعد ان أعلن وزير الداخلية البريطاني ديفيد بلانكت انه يريد توسيع قوانين مكافحة التمييز لتشمل الذين يهاجمون ناساً آخرين بسبب دينهم. وقال هتشنز انه يريد ان يكتب ضد الإسلام قبل ان تصبح مثل هذه الكتابة جريمة يعاقب عليها القانون. وضعت المقالين جانباً، ثم زدت عليهما أربع حلقات طويلة عن الإسلام والمسلمين في بريطانيا نشرتها "التايمز" التي عادت بخبر في صدر صفحتها الأولى عن علاقة جمعيتين إسلاميتين بالارهاب، وأصبح ملفي الخاص عن مثل هذه الأخبار يزيد على ألف ورقة رقم حقيقي. وما كنت أنوي التعاطي مع الموضوع لولا انني قرأت بعد أسبوع في "نيويورك تايمز" مقالاً عظيماً كتبه نيكولاس كريستوف ولفتني في البداية عنوانه "يسوع وجهاد"، غير ان الفكرة جعلتني أتناول الموضوع من زاوية جديدة فهناك صحوة دينية، أو ردة، وهذا يعتمد على موقف القارئ، في العالم أجمع، وليس بين المسلمين فقط، وثمة تطرّف مسيحي أين منه التطرّف الذي تمارسه جماعات ضالة منحرفة من المسلمين. بل ان هناك تطرفاً يهودياً أخاف آفي ديختر، رئيس الأمن الاسرائىلي، فهو وجد في خطاب حاخامات المستوطنين في غزة، وفي تحريضهم، دعوة سافرة الى القتل... قتل اليهود مثل آرييل شارون، حتى انه حذّر مجلس الوزراء الاسرائىلي من خطر الموضوع. مع ذلك أوافق كريستوف على وجود فرق مهم، فالمتطرفون المسيحيون لا يخطفون طائرات ليصدموا بها أبراجاً مسكونة، ولا ينفّذون إرهاباً حول العالم. سأعود الى كريستوف ومقاله الذكي غداً، خصوصاً ان أكثر تطرّف مسيحي، هو في القاعدة الانتخابية للرئيس جورج بوش من المسيحيين الصهيونيين. غير انني أريد ان أبدأ اليوم بالإسلام والمسلمين، و"لوس أنجليس تايمز" تقول ان استطلاعاً في ست دول عربية هي مصر والمملكة العربية السعودية والمغرب والأردن ولبنان والإمارات العربية المتحدة أظهر ان أعداداً متزايدة من مواطني هذه الدول يعتبرون أنفسهم مسلمين أولاً وعرباً ثانياً. وخلصت الجريدة الى القول: "ان كثيرين من المسلمين يعتبرون الحرب على الارهاب حرباً على المسلمين. وفي مقابل ذلك هناك أميركيون كثيرون يعتبرون الإسلام مصدر المشكلة الارهابية". لولا الارهاب الذي لا يجوز الدفاع عنه، ولا يمكن تبريره إطلاقاً، لما كانت هناك مشكلة في عودة المسلمين الى الدين، ففي الولاياتالمتحدة نفسها هناك زيادة ملحوظة في الميل الى التديّن، حتى خارج "حزام التوراة" في جنوبالولاياتالمتحدة. وكنتُ قرأت قبل بضعة أيام تحقيقاً دقيقاً في "كريستيان ساينس مونيتور" رصد ظاهرة جديدة هي انتشار العبادة في البيوت، إضافة الى الكنائس والكنس. وهي تابعت جماعات مسيحية تصلي في البيوت من بوسطن الى اوستن في تكساس، كما سجلت ان 15 جماعة صلاة يهودية في بوسطن تحوّلت الى طوائف منفصلة خلال السنوات الثلاثين الماضية. غير ان الاهتمام يظل أكبر بالإسلام والمسلمين بسبب الارهاب، وأكتفي هنا بنقطة من بحر ما قرأت في الأسبوعين الماضيين فقط، فهناك اهتمام موضوعي مهني، وهناك محاولة جدّية للفهم، حتى ان الحرب على الارهاب هي التي أطلقت هذا الاهتمام. - "نيويورك تايمز" نشرت تحقيقاً يقول ان المسلمات في أميركا يردن مكاناً لهنَّ داخل المسجد. وتحدث التحقيق عن نسرين أبو بكر التي وضعت مع النساء في صالة مجاورة لمكان صلاة الرجال، فلم يعرفن متى بدأت الصلاة أو انتهت. وتنقل التحقيق بين فريمونت في كاليفورنيا، ومورغانتاون في وست فرجينيا وخليج سان فرانسيسكو، وأيضاً رينيبغ في مانيتوبا من أعمال كندا. - "الأوبزرفر" اللندنية نشرت تحقيقاً مع صور شغل صفحة كاملة عن ميتو كلوس سان لازار في ستان، في فرنسا، وأشارت الى تنافس بين مسجد السلام "السلفي" ومسجد التوبة الذي يصلي فيه "معتدلون". - "كريستيان ساينس مونيتور" الأميركية ذهبت الى استراليا وتحدثت مع الشيخ تاج الدين الهلالي، وهو إمام مسجد في ضواحي سيدني ينادي بالاعتدال، ويردّ على فكر أبو قتادة، ووجدت معارضين له في مسجد دونكاستر، في ملبورن، بعد ان زار لبنان ونسب اليه كلام يدعو فيه الى "حرب على الكفّار". - "نيويورك تايمز" أوضحت في تحقيق آخر من أوروبا ان هناك أوروبيين اعتنقوا الإسلام، وهؤلاء يثيرون خوف أجهزة الأمن، لأنهم يستطيعون التنقّل بحرّية لممارسة أعمال إرهابية، وشكلهم الخارجي لا يثير الشك. وأورد الموضوع قصة شقيقين فرنسيين من هذا النوع اعتنقا الإسلام وتحوّلا الى الارهاب. مرّة أخرى، هناك تغطية إيجابية كبيرة تضعف من حجّة أمثال ديل كمنز الذي عاد بعد يومين من المطالبة بحق انتقاد الإسلام، الى انتقاد حزب المحافظين البريطاني لمحاولته استمالة الناخبين المسلمين الى صفوفه. ثم كتب مقالاً سفيهاً بعنوان: "المسلمون يهددون أسلوب الحياة البريطاني"، وردت عليه جيني ماكارتني في الصفحة نفسها محذّرة من خوف لا تمييز فيه. وعصرت المادة عصراً لضيق المساحة المتاحة فأكمل غداً بالمسيحيين الصهيونيين من قاعدة جورج بوش الانتخابية.