ضمت رحلة الصيد السنوية الى هنغاريا صديقاً يحمل جواز سفر لبنانياً، وفي هذا تعقيد كافٍ، غير انه عندما طلب تأشيرة لزيارة هنغاريا في سفارتها في لندن أعطي خطأ تأشيرة بنت اسمها ايزابيل عليها صورتها، كتأشيرات كثيرة هذه الأيام. وكان حظه طيباً فتنبه الى الخطأ، وعاد الى السفارة حيث ألغيت هذه التأشيرة، وأعطي تأشيرة باسمه وصورته. في مطار بودابست خرجنا جميعاً، بجوازات سفر بريطانية وكندية وسعودية وأردنية، وانتظرنا ساعة قبل أن ينضم الينا الصديق، فموظف الجوازات ارتاب به كلبناني، ثم ارتاب أكثر عندما وجد تأشيرة ملغاة، ولم يتركه حتى اتصل بوزارة الخارجية، وحمدنا الله على اننا وصلنا في يوم عمل، فلو وصلنا في نهاية الاسبوع لكان خسر الصيد كله. قال لي الصديق ونحن نغادر المطار ان ما حدث"بسيطة"بالمقارنة مع تجربته في مطار نيويورك، فهو أيضاً يحمل تأشيرة الى الولاياتالمتحدة يجددها بانتظام لأن جزءاً كبيراً من عمله هناك. وهو وجد عندما حصل على آخر تأشيرة أميركية ان مكان الولادة سجل: العراق، مع ان الصديق من مواليد برج حمود، فعاد الى السفارة وألغيت التأشيرة وأعطي تأشيرة جديدة. وكانت النتيجة ان خضع لتحقيق ساعات في نيويورك، وتفتيش حميم، مع ان جواز سفره يظهر انه يسافر الى الولاياتالمتحدة بضع عشرة مرة في السنة منذ سنوات، ومع ان التأشيرة الملغاة حملت بوضوح عبارة تقول: ملغى من دون خطأ من حامل الجواز. غير ان صديقي اللبناني الأرمني يبدو مذنباً، كأكثر أصدقائي، واذا كنت أنا أشك فيه، فالأمن، الهنغاري والأميركي معذوران. وأسمع يوماً بعد يوم عن قصص رعب في مطارات العالم، خصوصاً الولاياتالمتحدة، بعد تشديد الاجراءات خوفاً من الإرهاب، وأعترف بأنني لم أتعرض لأي مضايقة شخصياً، على رغم اسمي. ويبدو ان جواز سفر البريطاني يجعلني شريكاً في الحرب على الإرهاب فأمرّ بسلام. على كل حال، ما سبق مقدمة. فما أوحى لي بالكتابة عن الموضوع مقال للمعلقة الأميركية الذكية مورين داود في"نيويورك تايمز"الاسبوع الماضي حكت فيه عما تتعرض له المسافرات الأميركيات من إحراج أو إهانة أحياناً، وهن يخضعن لتفتيش دقيق، أحياناً بأيدي مفتشين ذكور، إذا لم توجد مفتشات. ويبدو ان القوانين في أميركا شددت من جديد في أيلول سبتمبر الماضي كرد فعل على تفجير فتاتين انتحاريتين من الشيشان طائرتي ركاب روسيتين قبل ذلك ببضعة أسابيع. والتفتيش حول الثديين أهون منه في أماكن أخرى، ما لا يصلح للنشر، وقد سجل جو شاركي في الجريدة نفسها قصصاً أميركية خالصة: فامرأة في الحادية والسبعين تعرضت لبحث في صدرها وغيره عن متفجرات. والمغنية باتي ليبون منعت من ركوب الطائرة بعد أن رفضت خلع قميصها لأنها لا ترتدي شيئاً تحته. وربما كان هناك عذر لرجال الأمن، فبعض المتفجرات من مواد لزجة لا تظهر على الأشعة لذلك كانت الحاجة الى البحث في أي مكان يمكن أن تخبأ فيه. وكنت مرة رأيت صورة جندي اسرائيلي يفتش في صدر امرأة فلسطينية محجبة، معها ولدان صغيران، وقدرت ان الاستفزاز يكفي ليقوما بعمليات ضد اسرائيل عندما يكبران. عندما تفتش مورين داود في أميركا يصبح تفتيش صديق لبناني أرمني، بشارب كث، وملامح"شرق أوسطية"ككل إرهابي، أفضل ما يصيبه في نيويورك. وعلى الأقل فرجال الجمارك لم ينادوه باسم ايزابيل كما فعلنا في هنغاريا. والصديق كان ضحية خطأ، أما جارتنا في لندن فكانت ضحية"تصحيح"، لأنها عندما وصلت الى نيويورك في إجازة مع زوجها وأولادهما قالت لها موظفة الجمارك المطّلعة وهي تنظر في جواز سفرها البريطاني: مولودة في دمشق؟ أنت عراقية. أهلاً وسهلاً. وقالت الصديقة: دمشق، سورية. وأصرت الموظفة على أن دمشق في العراق. وبدل أن تسكت الصديقة، وقد وجدت في أميركا موظفة جمارك وحدوية عربية أصرت على التصحيح، وانتهت في غرفة زجاجية، وتحقيق ثلاث ساعات بين بورتوريكيين وسلفادوريين وغيرهم. قديماً كنا نسافر من دون تفتيش، ثم بدأ خطف الطائرات في الستينات، وبدأنا نخضع للتفتيش. وكانت الطائرات خطفت في البداية الى كوبا، وأعجبت الفكرة الاخوان عندنا، وأصبح الخطف في كل بلد. والخطف أهون من النسف، وقبل الفتاتين الشيشانيتين حاول رجل نسف طائرة بمتفجرة في حذائه، وأصبحنا نخلع الأحذية، ما يقتضي معه أن تكون الجوارب من دون ثقوب. وفي حين أن أكثر ما تعرضت له شخصياً أن خلعت الجاكيت والحذاء والحزام، فإنني أعرف ناساً فعلوا كل هذا ومع ذلك منعوا من دخول الولاياتالمتحدة، إما لتشابه في الأسماء، أو للشك في أن الزائر يريد الهجرة لا الزيارة كما يدعي. اليوم هناك قوانين جديدة ضد الهجرة غير الشرعية، أو تشديد للموجود منها، في أوروبا والولاياتالمتحدة وبلدان كثيرة أخرى. وهي إذا جعلت بمفعول رجعي فقد يعود البيض من أميركا الى أوروبا، وتعود أميركا للهنود الحمر. لا أتوقع أن يحدث هذا في وقت قريب، وإنما أتوقع أن يستمر إزعاج المسافرين كلهم، رجالاً ونساء، مع زيادة في النفقات تضاف الى ارتفاع أسعار البنزين، والنتيجة ان الولاياتالمتحدة تتوقع 586 مليون مسافر في رحلة جوية هذه السنة، وهو رقم قياسي، ولكن مع خسائر للشركات في حدود ثمانية بلايين دولار. الخسائر المالية، والمضايقات بسبب التفتيش في المطارات تهون مع الخطر على الحياة الذي يمثله الارهابيون، ومع ذلك أجد انه لا يزال هناك من يؤيد الإرهاب، أو يخترع الأعذار له. وبما انني لست عنتر عبس زماني، فإنني أفضل المضايقات مع السلامة فالحذر واجب، غير ان بعض اجراءات الأمن غير منطقي، من نوع تفتيش جدة مسنّة، أو التركيز على تأشيرة ملغاة لصديق، وهو ضمن مجموعة من سبعة أشخاص يحملون 51 بندقية صيد، بينها بنادق أوتوماتيكية. بعضنا يسافر في عمل، وهو بالتالي مضطر، غير ان هناك من يسافر في إجازة، ولهذا المسافر أقول انه اذا كان يشبه فعلاً صورته على جواز السفر فهو مريض جداً ولا أنصحه بركوب طائرة. جوازات السفر هذه الأيام لم تعد قصراً على البشر، فعندنا في البيت قطة وكلب، وقد حصلنا لهما على جوازي سفر بريطانيين، لأن الأسرة تقضي الصيف في جنوبفرنسا. وجواز السفر لحيوان أليف هو عبارة عن شريحة كومبيوتر تحت جلد الرقبة اذا قرأها الجهاز المختص تظهر كل تفاصيل القطة أو الكلب، من اسم وعمر ووزن ومكان اقامة، وتاريخ طبي. الكلب ولاؤه لمالكه وليس للبيت، لذلك يرافقنا في السفر الى فرنسا، ولكن القطة ولاؤها للبيت لا أصحابه، فتبقى عادة في لندن حتى لا تهرب منا في فرنسا. وفي حين أن كلبنا أليف سيرحب بأي تفتيش إثباتاً لبراءته، فإن القطة شرسة، وأتصور انها ستنشب مخالبها في المفتش كما يستحق. في غضون ذلك قرأت لإنكليزي يفاخر بأن قطته تملك جواز سفر بريطانياً، ومحمد الفايد يعجز عن امتلاك مثله. ولكن اذا كان رجل يملك متجر هارودز فلماذا يريد أن يسافر.