Hugues Tertrais. Asie du Sud-Est: Enjeu Regional ou Enjeu Mondial? آسيا الشرقيةالجنوبية: أرهان إقليمي أم رهان عالمي؟ Folio, Paris. 2003. 280 pages. تنفرد آسيا الشرقيةالجنوبية بكونها المنطقة الوحيدة في العالم التي أفلحت في كسر حاجز التخلّف في النصف الثاني من القرن العشرين، محطّمة بذلك احتكار الغرب للتقدم على مدى خمسة قرون متوالية. لكن هل آسيا الشرقيةالجنوبية "منطقة"؟ ان المصطلح نفسه لم يفرض نفسه في الاستعمال الا منذ مطلع ستينات القرن الماضي. لكنه كان من البداية "مقلقلاً" حتى من وجهة النظر الجغرافية. فآسيا الشرقية لا تصير جنوبية الا ابتداء من مدار السرطان خط العرض 23. والحال ان دولتين رئيسيتين من دول المنطقة المتعارف عليها اليوم باسم "جنوب شرقي آسيا" تقعان الى شمال مدار السرطان، لا الى جنوبه، هما تايوانوكوريا الجنوبية. والمنطقة لا تتمتع، ناهيك عن ذلك، بأية وحدة اقتصادية او سياسية او دينية او لغوية او ثقافية. فمن منظور اقتصادي تعتنق كثرة غالبة من دول المنطقة النظام الرأسمالي الحر او الموجّه، لكن دولتين اثنتين، هما فيتنام ولاوس، لا تزالان تتشبثان بالنظام الشيوعي. ومن منظور سياسي، تتوزع دول المنطقة الى ملكيات كمبودياوماليزيا وتايلاندا وسلطنات بروناي وجمهوريات برلمانية اندونيسيا والفيليبين او استبدادية عسكرية بورما. اما من المنظور الديني، فتغلب على المنطقة التي يصل تعداد سكانها الى 600 مليون نسمة، ثلاث ديانات رئيسية: البوذية والاسلام والمسيحية. اما من الناحية الثقافية واللغوية اخيراً فان المنطقة تنقسم جناحين ثقافيين كبيرين: الجناح الهندي الصيني بورما وتايلاندا ولاوس وكمبودياوفيتنام المأهول بنحو200 مليون نسمة، والجناح الماليزي ماليزياواندونيسيا والفيليبين وتيمور الشرقية المأهول باكثر من 300 مليون نسمة. وليس أدل على هذا الاختلاف الثقافي من كون المنطقة تعتمد ثلاث روزنامات: ففي الوقت الذي كان فيه العالم اجمع يحتفل بمجيء العام 2000، كان بوذيو تايلاندا وكوريا قد دخلوا، تبعاً لتقويمهم، في العام 2543، فيم كان لا يزال مسلمو اندونيسياوماليزيا، تبعاً لتقويمهم الهجري، في العام 1323. اضف الى ذلك ان المنطقة تؤلف فسيفساء حقيقية من اللغات والأسر اللغوية وفي مقدمها الكورية والماليزية والصينيةوالفيتنامية واللاوسية والطائية والاندونيسية في اندونيسيا وحدها يتكلم الناس بأربعمئة لغة وهي تعتمد للكتابة اربع ابجديات رئيسية: البورمية والهندية والصينية واللاتينية، فضلاً عن العربية في المدارس القرآنية في اندونيسياوماليزياوبروناي. جنوب شرقي آسيا لا تمثل، إذاً، "منطقة" بالمعنى الذي تشكله المنطقة الاميركية اللاتينية او الاوروبية السلافية او الشرق اوسطية العربية. ومع ذلك، فانها تتمتع اليوم بوحدة هوية لا تتمتع بنظيرها مناطق عديدة أخرى في العالم معترف بها بما هي كذلك. فما يجعل من جنوب شرق آسيا نموذجاً جغرافياً تاريخياً قائماً على حدة، ان جميع دولها عرفت "تجربة الازدهار" واستطاعت في مدى نصف قرن ان تكرر وإن بتفاوت كبير بطبيعة الحال "المعجزة اليابانية" في التحول من بلدان متخلفة الى بلدان متقدمة، او على اقل تقدير الى بلدان في سبيلها الى التقدم. وحسبنا مؤشراً على هذه المعجزة الآسيوية الشرقيةالجنوبية ان حصة بلدان المنطقة من جملة الصادرات العالمية ارتفعت من اقل من 1 في المئة في مطلع الخمسينات الى 7 مطلع الثمانينات الى 13 مطلع التسعينات الى 15 مطلع العام 2000، وهذا رغم الاعصار الذي ضرب اقتصاد المنطقة في 1997 - 1998. وقد تكون المؤشرات الخاصة بكل قطر على حدة أبلغ دلالة بعد. فمن عتبة لا تجاوز 150-250 دولاراً في مطلع الخمسينات ارتفع الدخل السنوي للفرد في 2001 الى 25153 دولاراً في هونغ كونغ، والى 23356 دولاراً في سنغافورة والى 17394 في تايوان، والى 17380 في كوريا الجنوبية. وبالاجمال، تضاعف الدخل الفردي السنوي في هذه التنانين الصغيرة الأربعة ما بين 100 و150 ضعفاً في مدى نصف قرن. صحيح أن النمور الآسيوية الكبيرة لم تجترح نفس التجلية التي اجترحتها النمور الصغيرة، ولكن في ماليزيا ايضاً 23 مليون نسمة تضاعف الدخل الفردي في الفترة نفسها نحواً من 60 ضعفاً ليصل في 2001 الى 9068 دولاراً، وفي تايلاندا 64 مليون نسمة 40 ضعفاً ليصل الى 6402 دولاراً، وفي الفيليبين 77 مليون نسمة 27 ضعفاً ليصل الى 3971 دولاراً، وفي اندونيسيا 215 مليون نسمة 20 ضعفاً ليصل الى 3043 دولاراً. وصحيح انه لا تزال في المنطقة أربع دول يتراوح الدخل الفردي فيها بين 1000 و2000 دولار، وهي بورما وكمبوديا ولاوس وفيتنام، لكن لا ينبغي ان ننسى ان هذه الدول عانت وتعاني من إرث ثقيل من حروب أهلية طاحنة ومن نظام شيوعي دينوصوري. ومع ذلك، تتجمع القرائن على ن "عدوى" الإقلاع الاقتصادي شرعت بالانتقال اليها، لا سيما منها فيتنام 80 مليون نسمة التي دخلت في التسعينات، رغم خضوعها للاحادية الحزبية الشيوعية، في طور جديد من الانفتاح الاقتصادي على الخارج وحققت معدلاً للنمو يتراوح بين 8 و9 في المئة قبل ان ترتد عليها آثار الأزمة الاقتصادية الآسيوية لعامي 1997 1998، فينخفض معدل النمو فيها الى 4 أو 5 في المئة. وإذا كان مفهوم "العدوى" ضرورياً لتفسير الاستثناء الفيتنامي، فإنه أكثر ضرورة لتفسير مجمل "تجربة الازدهار" التي لا تفتأ تعم، بين مد وجزر، معظم بلدان جنوب شرقي آسيا. فجميع هذه البلدان "جارات" لليابان، ومعظمها يؤلف، كاليابان نفسها، جزراً، وهي إذ تفتقر الى العمق الاستراتيجي فالسبيل الوحيد أمامها للتوسع والامتداد هو الانتفاح على العالم. ونظراً الى الثورة الديموغرافية التي عرفتها المنطقة خلال القرن الماضي وجعلت سكانها يتضاعفون نحواً من عشر مرات، لم يكن أمامها من خيار آخر عدا الغرق في مستنقع البؤس غير أن تحاكي النموذج الياباني. ومفعول العدوى هذا هو الذي يفسر أن البلدان الأقرب اتصالاً باليابان كانت الأسبق الى الاقلاع الاقتصادي كوريا الجنوبيةوتايوانوهونغ كونغ قبل أن تنقل بدورها العدوى الى بلدان الجوار الأخرى. لكن "الرهان الاقليمي" لا يمكن أن يفسر كل "تجربة الازدهار" في جنوب شرقي آسيا. فهذه المنطقة استفادت منذ وقت مبكر ولا تزال من "رهان عالمي". فلئن يكن قصب السبق في الاقلاع الاقتصادي يعود الى التنانين الأربعة، فليس ينبغي أن ننسى أن هذه التنانين "الصغيرة" كانت مطالبة بالصمود أمام النمور الكبيرة للشيوعية الآسيوية: الصين الشعبية وكوريا الشمالية وفيتناموكمبوديا ولاوس. وليس لأحد أن يماري في أن تلك التنانين استفادت من رهان غربي عليها في حقبة الحرب الباردة. وهذا الرهان الغربي هو الذي استمر لاحقاً من خلال التوظيفات الأجنبية المباشرة التي انصبت على المنطقة في الثمانينات والتسعينات والتي تراوح حجمها ما بين 300 و500 بليون دولار في السنة. وهذا الرهان الغربي عينه هو الذي استمر ايضاً بعد الاعصار المالي الذي ضرب جملة بلدان المنطقة في عامي 1997 1998 من خلال تدخل صندوق النقد الدولي الذي حقن الاقتصادات الآسيوية المأزومة بعشرات البلايين من الدولارات 17 بليون دولار لتايلاندا، و35 بليون دولار لاندونيسيا، و57 بليون دولار لكوريا الجنوبية، الخ. وبعد أن كادت تعصف بجنوب شرقي آسيا أزمة مالية جديدة بعد اعتداءات 11/9 في نيويورك وواشنطن وما أعقبها من انكماش اقتصادي أميركي، مالت المنطقة، على ما يبدو، الى إحداث تحول جديد في اتجاه رهاناتها. فبدل استمرار المراهنة على الرساميل الأجنبية المتضائلة، فإنها تتجه الى المراهنة على التكنولوجيات الجديدة في مجال الإعلام والاتصال. وإذا استطاعت أن تنجح في رهانها هذا، فإنها مرشحة لأن تغدو المنطقة الأكثر تصنيعاً في العالم مع حرقها في الوقت نفسه المراحل التقليدية للثورات الصناعية. وكما كتبت مجلة هونغ كونغية في نهاية 2001، فإن الألياف الضوئية قد تكون "كلمة السر" في المستقبل الاقتصادي لجنوب شرقي آسيا.