اختارت شركة "كانون"، عملاق منتجي الكاميرات وآلات التصوير في العالم، ما اعتبرته صور العام المنصرم. ثلاثون صورة من انحاء العالم كافة تصّور بعض ما حدث فيه. وأن نعتبر صورة من الصور واحدة من صور العام، فذلك يعني انها تركت أثراً واسعاً في صفوف الناظرين إليها، او هي مرشحة لأن تترك هذا الأثر. وبكلام ادق يفترض بالصورة التي يتم اختيارها ان تحث المشاهد على التعليق. والحق ان صور "كانون" هذا العام نجحت في إثارة التعليق. ويكفي وصف الصور او النظر السريع اليها لنتعرف الاسس الاخلاقية والفكرية التي قامت عليها هذه الاختيارات. بين الصور التي اختيرت ثمة صور نجوم رياضيين في لحظات تجليهم التي لا يمكن لغير الكاميرات اثباتها. ثمة ايضاً صورة الثيران الهائجة في الشوارع الاسبانية التي تثير مشاعر متناقضة في الوقت نفسه، ولاحقاً اختيرت هذه الصورة بوصفها صورة العام، في مجلة "الاكسبرس" الفرنسية: فهي من ناحية باعثة على الرعب والهلع، ومن ناحية اخرى تبعث على النظر بعين الرقة الى مصائر الثيران الهائجة التي ستكون لحومها ودماؤها مادة لتهييج جمهور مصارعة الثيران. وفضلاً عن هذا تبدو الثيران مدمرة وبريئة في الوقت نفسه. تملك القوة الهائجة التي في وسعها ان تقتل نفساً بضربة واحدة، لكنها لا تتقصد او تتعمد القتل لمجرد اللذة بالقتل او طلباً للسلطة او المال. انها دائماً تقع في موقع الدفاع عن النفس الذي يبرر العنف ويمنحه بعضاً من براءة يحتاجها كي لا يصير ارهاباً. بعض الصور المختارة كانت تعبيراً عن نشاطات بشرية: الزي الموحد في تنصيب الملك محمد السادس في المغرب، قبعات الشرطة الصينية، وآلاف العراة المتمددين في الساحات في انتظار ان يتم تصويرهم ضمن اطار عمل فني في معرض متجول. لكن الأغلب والأشيع بين الصور التي اختيرت ظاهرتين: عنف الطبيعة وبلاد الاسلام. ثمة صور كثيرة لفيضانات وحرائق وكوارث طبيعية، بعضها يصوّر معاناة السكان وهم يحاولون انقاذ ما تبقى من حيوات وممتلكات كانت لهم قبل الكارثة. اما في الجهة الأخرى فثمة العنف الذي لا نجاة منه: محاكمة زانية في محكمة نيجيرية تنتظر حكم الرجم في قاعة المحكمة وحيدةً. محكومين بالاعدام في طهران بموجب قوانين الشريعة، مشنوقين على رافعات المباني العملاقة، حيث تعلق "الاكسبرس": "اجتماع التقليد والحداثة"، رأس مواطن اسرائيلي على الأرض مخلوعاً عن جسمه اثر عملية تفجير انتحارية، ظل جندي اميركي وصورة طفلة افغانية امام جدار منزل متداع الخ... كأن ما يريد اجتماع الصور الاعلان عنه صراحة، هو توحيد اسباب الكوارث. ثمة في جمع الفيضانات إلى احكام الرجم ما يشير صراحة، إلى صدور هذه الأفعال عن طبيعة غاشمة، ويوحي في شكل مباشر بجواز كل انواع المقاومة في وجه هذه الطبيعة. فحين ننتصر عليها وعلى اسبابها نكون انتصرنا للانسان، للحياة الرغدة والهنيئة التي تجعل لاعب التنس يبذل افضل ما يمكنه ليصد الكرة الصفراء. إخراج القضاة والمقاومين من دائرة الانسانية إلى دائرة الطبيعة الغاشمة، ثيران هائجة، ويجب ان تعامل نفسها كثيران. بالامكان تفهم عنفها، إذا ما ارتضت مرتبتها الاجتماعية، ثيران وحسب. وإلا فمحض شرور تحض عليها الطبيعة الغاشمة وينبغي استئصال جذورها واسبابها كأعشاب ضارة تنمو في حقل الورود. ليست القسمة عادلة، وهي لم تكن عادلة في يوم ما. من قبل الارهاب والحركات الاسلامية العنيفة، كانت الهند تحضر ومعها ملفها: الجرذان والأوبئة والفقر والتخلف. وكانت فرنسا تحضر في الصور ومعها ملفها: المونمارتر والمولان روج، والمدنية التي طلب كانط جمعها بالثقافة الالمانية ليتسنى للشعبين حكم العالم. العرب يحضرون ومعهم ملفهم: اثرياء متهتكون وآلات جنس، وبدو غير متحضرين. واميركا تحضر من هوليوود وهارفارد ومايو كلينيك. انه انحياز ابدي، لكن ماذا فعلنا لنغير في هذه الصورة؟ الأرجح ان لا شيء على الاطلاق. ما زلنا نصر على تظهير الصورة التي تزيد الهوة اتساعاً وما زلنا نطرق ابواب الخروج من العالم، والهجرة مصحوبة بالتكفير لهذا العالم الفاسد. الا يستطيع هؤلاء الهجرة من دون ضجيج وعنف، من دون اعتداد بالنفس وتصاريح تستجلب آلات التصوير من اربع جهات الأرض؟