أكد مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأميركي ضمن سلسلة دراسات اقتصادية بدأ نشرها أخيراً تحت عنوان "السعودية تدخل القرن ال21"، أن الدعوة التي أطلقتها السعودية إلى قيام حوار بناء بين منتجي النفط والمستهلكين تقدم أفضل ضمان لمستقبل إمدادات النفط وإستقرار الأسعار. انتقد مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بشدة النهج الذي يتبعه مخططو سياسة الطاقة الدولية حالياً والذي يقوم على التفريق بين المنتج المستهلك والهيئات الممثلة لهما، خصوصاً منظمة البلدان المصدرة للنفط أوبك ووكالة الطاقة الدولية. وأوضح كبير الباحثين أنطوني كوردسمان معد سلسلة الدراسات أن الحوار المنشود لن يكون من شأنه ولا يجب أن يقيد المنافسة أو حرية حركة قوى السوق بل سيعمل على تأكيد الضرورة الملحة لتوفير أكبر قدر ممكن من الشفافية في العرض والطلب متيحاً بذلك لمنتج رئيسي مثل السعودية صياغة إستراتيجيتها وإدارة إحتياطها الضخم من النفط الخام على أسس واقعية تمكنها من القيام بدورها المهم في ضمان إستقرار الإمدادات والأسعار العالمية. وشكل موقف مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أحد النتائج الجوهرية لما وصفه "مسودة دراسة" مطولة نشرها أواخر الشهر الماضي تحت عنوان "السعودية تدخل القرن ال21: تخطيط مستقبل قطاع النفط والغاز السعودي". ويعتبر المركز الذي يرأسه نائب وزير الخارجية الأميركي السابق جون هامر ويمارس نشاطه في مجالات عدة أهمها إستراتيجيات الطاقة، مقرباً من دوائر صنع القرار السياسي والإقتصادي في واشنطن. وذكر المركز أن السعودية إنتهجت على الدوام إستراتيجية تقوم على خلق سوق نفطية طويلة الأجل حيث يمكنها تحقيق أعلى قدر ممكن من العوائد النفطية في المدى القصير من دون تعريض مستقبل الطلب للخطر، مشيرا إلى أن الإستراتيجية السعودية إرتكزت على دور "المورد الجدير بالثقة" والإحتفاظ بطاقات إنتاج إحتياطية تضمن للسعودية إستمرار هذا الدور المهم إلى جانب القدرة على تلبية أي زيادة مفاجئة في الطلب العالمي والتعامل مع الحالات الطارئة ودعم ثقلها الإقتصادي والسياسي. وقال كوردسمان ان السعودية أكدت مراراً التزامها هذه الإستراتيجية لافتا إلى تأكيد وزير النفط علي النعيمي في تصريح سابق أن السياسة النفطية لبلاده تقوم على أربعة أسس: "أكبر إحتياط نفطي وأقل كلفة إنتاج نحو 1.5دولار للبرميل، طاقات إنتاج إحتياطية كبيرة، إقتصاد قومي مرتبط إرتباطا وثيقا بالصناعة النفطية، ونظام سياسي وإقتصادي مستقران". ولفت الى تأكيد النعيمي أهمية إستقرار السوق النفطية والى تقارير تفيد أن الرياض أعطت "ارامكو السعودية" الضوء الأخضر لانفاق 15 بليون دولار سنويا بين 2000 و2005 لزيادة طاقات إنتاج النفط والغاز. وأكد الباحث الأميركي أن السعودية نجحت على الدوام في تطوير آبارها النفطية العاملة وإدخال آبار جديدة الى الخدمة وبناء مصافي تكرير ذات كفاءة عالية وإنشاء صناعة بتروكيماوية ضخمة. وأضاف: "على النقيض من كثير من الدول المصدرة للنفط والغاز إستثمرت السعودية في بناء طاقات إنتاج النفط والتكرير وعمليات التسويق المناسبة لإستراتيجية تنشد الحفاظ على أسعار معتدلة وطلب نشط في المدى البعيد، كما أثبتت التزامها ضمان أسواقها من طريق العمل على بقاء إنتاجها عاليا وبقاء الأسعار عند مستوى يتيح لها إمكان زيادة صادراتها". ورأى كوردسمان أن المسألة الحيوية بالنسبة الى السعودية لا تكمن في ما إذا كانت ستحتفظ بدورها منتجاً ومصدراً رئيسياً بل في حجم هذا الدور وقدرتها على الحصول على رأس المال الإستثماري المطلوب لتمويل إستراتيجيتها المفضلة وإختيار السعر المناسب للنفط والغاز في سوقها المحلية وإدارة عمليات توسيع صناعة النفط والغاز بقطاعيها العام والخاص وفقا لمعايير الكفاءة المنسجمة مع مبادئ السوق. وأعرب عن إعتقاده أن أي إستراتيجية سعودية مستقبلية ستعتمد على الحاجة إلى تصدير النفط بمستويات عالية تتيح الحصول على عوائد مرتفعة، مؤكداً أن المملكة تملك مجالا رحبا لإختيار حجم الزيادة التي ترغب في إضافتها إلى إنتاجها من النفط والغاز ومدى سرعة تطبيقها مشيرا في الوقت نفسه إلى ضرورة أن تأخذ هذه الإستراتيجية في الإعتبار جملة من العوامل الإضافية التي غالبا ما تقود إلى أولويات متنافسة أبرزها: يتطلب من إستراتيجية الإستثمار الوطني السعودية التعامل مع خيارات تزداد صعوبة بإطراد إذ لابد لها من المفاضلة بين الإستثمار الحكومي في قطاع الطاقة وإصلاح الإقتصاد وتنويع مصادر الدخل والإنفاق على البرامج الإجتماعية وتمويل البنية التحتية. يشكل الدور المستقبلي للتخصيص والإستثمارات الأجنبية والخاصة في العمليات الفوقية التنقيب والإنتاج والتحتية التكرير والتسويق وعمليات تصنيع المنتجات النفطية والصناعات التحويلية المرتبطة بالنفط مسائل ذات حساسية عالية. يتعين تسخير إستثمارات باهظة في تأمين طاقات إنتاجية جديدة تتيح لها الحصول على سيولة نقدية للوفاء بمتطلبات التزايد السكاني وتلبية الطلب العالمي على النفط. إلا أن الفجوة الزمنية المعنية بالتزايد السكاني ونمو الطلب العالمي تجعل من الصعب التنبؤ بحجم الطاقات الإنتاجية المطلوبة في وقت من الأوقات والعوائد المتحصلة عنها. يتعين على إستراتيجية التسعير أن تضمن للسعودية حصة سوقية كبيرة وعوائد عالية جارية من دون أن تدفع البلدان المستهلكة للبحث عن بدائل في المديين المتوسط والبعيد. يتعين إتخاذ قرار في ما إذا كان عليها الإحتفاظ بهامش كبير من الطاقات الإنتاج الإحتياطية أو الإستمرار في لعب دور المنتج الرئيسي "المرن" القادر على زيادة الإنتاج في أوقات الطوارئ. وتسمح الطاقات الإنتاجية الإضافية للسعودية الحصول على عوائد في أوقات الأزمات لكنها أيضا مكلفة وتقود الى ممارسة المستهلكين ضغوطا على السعودية لزيادة الإنتاج لدواع سياسية. ولاحظ كوردسمان أن الكثير من القرارات التي ينبغي إتخاذها تشمل عوامل خارجية لا يمكن السيطرة عليها أو التنبؤ بها، داعياً الى تعديل الإستراتيجية باستمرار للتوافق مع الظروف التي يفرضها الإقتصاد العالمي والحروب والإعتبارات السياسية، ومشيرا في الوقت نفسه إلى أن القرارات التي ستتخذها السعودية سيكون لها أثر مهم على كل من الإمدادات النفطية والإقتصاد العالمي. وأكد الباحث الأميركي أن "رغبة السعودية وقدرتها على زيادة صادراتها وكذلك رغبتها في الإستثمار في زيادة طاقاتها الإحتياطية سيلعبان دوراً حيوياً في تقرير ما إذا كانت الإمدادات والأسعار العالمية ستبقى مستقرة نسبيا"، موضحا أن إحتياط النفط السعودي الذي تقدر وزارة الطاقة الأميركية حصته في الوقت الراهن بنحو 25.4 في المئة من إجمالي إحتياط النفط العالمي المؤكد، يشكل "عاملاً رئيسياً في صياغة مستقبل الإقتصاد العالمي". ولإبراز الأهمية الإستراتيجية لإحتياط النفط السعودي ذكر كوردسمان أن صناعة النفط العالمية أمضت ربع القرن الماضي في البحث عن مصادر بديلة للنفط والطاقة وبذلت جهدا مكثفا في كل أنحاء العالم، لكن النتيجة جاءت لتأكيد حقيقة أن الكثير من المناطق الواقعة خارج الخليج تحتوي على كميات من الإحتياط أقل بكثير مما كان متوقعاً فيما عملت الإكتشافات الجديدة في السعودية على تحقيق زيادة مطردة في كل من إجمالي إحتياط النفط المؤكد وحصة السعودية من إجمالي الإحتياط العالمي.