يتجمع في الصباح عدد من المسنين على مدخل "دكانة" الحاج اسماعيل الزرو في مربعة سوق اللبن وفي مقابل مدرسة دينية اقامها المستوطنون على سور الحرم الابراهيمي. في الجوار تسمع اصوات الباعة المتجولين والشبان المتنقلين من زقاق الى آخر ومنها الى شارع السهلة قرب الحرم حيث تمر مجموعة من النساء والفتيات اليهوديات في هذه المنطقة المصنفة "ب" وفق اتفاق يقضي بأن تبقى تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة. مرور اليهوديات كان حتى اسابيع قليلة امرا يوميا مألوفا بحكم الوجود الاستيطاني في المدينة، لكنه بات اخيرا واحدا من عناصر التأجيج الميداني، اذ يفاجأ الناس باحداهن تصرخ مدعية ان عربا حاولوا التحرش بها او الاعتداء عليها جنسيا، فيتدفق مستوطنون مسلحون ويعتدون على العرب قبل ان يتدخل الجنود فيتعرضون لهراوات المستوطنين. والمشهد يتكرر بصور اخرى في شارع الشهداء، حيث يدعي فتيان مستوطنون ان سائقا عربيا حاول دهسهم. ولا يكتمل المشهد الا بزجاجة مولوتوف تهوي على الموقع الذي تعرض فيه العرب للاعتداء. وحتى الان، يثمر التعاون الامني الفلسطيني - الاسرائيلي في كبح الانفلات الذي يتسبب فيه المستوطنون، لكن احدا لا يعرف متى يتحول الغليان الى مواجهات شاملة اعتادت ان تبدأ بالخليل وتمتد الى سائر مناطق التماس في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويقر بذلك الجيش الاسرائيلي فرئيس اركانه شاؤول موفاز استمع الى تظلمات الجنود من تعديات المستوطنين ممن يعتقدون ان ايامهم معدودة في المدينة. وخطتهم التي بات الجيش الاستخبارات يعيانها تقوم على ان اشتعال الخليل ومن ثم بقية الارجاء سيؤدي الى افشال عملية السلام وامكانية اخلائهم من قلب المدينة ومحيطها. وهم يعتبرون ان التصريحات التي اطلقها كبير المفاوضين الفلسطنيين الدكتور صائب عريقات صحيحة عندما قال ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك وافق في كامب ديفيد على اجلاء المستوطنين نحو اربعمئة من بينهم مئة طالب يأتون من خارج الخليل ويدرسون في مدارس دينية فيها، وكذلك تصريحات المفاوض حسن عصفور عن موافقة باراك على ابقاء المستوطنين داخل الخليل وفي محيطها مستوطنة كريات اربع تحت السيادة الفلسطينية، وذلك رغم نفي رئيس المجلس التشريعي ان يكون الطرفان توصلا الى حلول في هذا الشأن. لكن المتطرفين الاسرائيليين يستندون الى التصريحات الفلسطينية ويسخرون من نفي مكتب باراك لها فيسعون الى تعزيز وجودهم في المستوطنات خصوصا في قلب الخليل وهم لذلك شكلوا فرق "فتيات التحريض" ممن يدعين ان العرب يستميلوهن، والفتيان المدعين ان السائق العربي يحاول دهسهم، كما شكلوا "فرق الانقاذ" من مستوطنين مسلحين يهبون الى موقع الصراخ ويبدأون معركة مع الاهالي. وفي تقديرات موفاز، فان الخليل هي اصعب موقع لضبط السيطرة نظرا للتداخل السكاني لذا فهو امر جيشه بتكثيف وجوده على طول خط التماس وعلى امتداد شارع الشهداء المشترك وفي الحرم الابراهيمي ومحيطه ... وذلك بانتظار لحظة الانفجار الحتمية.