انتهت في جزيرة جربة 500 كيلومتر جنوب العاصمة تونس الاحتفالات اليهودية السنوية بزيارة كنيس "الغريبة" في حضور نحو ثمانية آلاف مشارك، أي ضعفي العدد القياسي الذي سجل العام الماضي. وكان وزير السياحة التونسي صلاح الدين معاوي ووالي مدنين التي توجد فيها الجزيرة عبدالرحمن الإمام وكبير أحبار جربة بيريز طرابلسي ورئيس اتحاد الجمعيات اليهودية في فرنسا غابريال قابلة، حضروا حفلة الافتتاح مساء أول من أمس في "الحارة الكبيرة"، وهي أكبر تجمع سكني لليهود في جربة. وألقى معاوية وطرابلسي كلمتين عبرا فيهما عن الأمل بتحقيق تقدم في مسار التسوية السلمية في الشرق الأوسط لتعميق التقارب بين اليهود والعرب. وارسل المشاركون رسالة دعم للرئيس زين العابدين بن علي. وأفيد ان المشاركين جاؤوا من بلدان مختلفة، خصوصاً فرنسا وايطاليا واسبانيا، فيما تضاعف عدد الآتين من إسرائيل من 400 فقط في العام الماضي إلى 800 مشارك في السنة الجارية. إلا أن مصادر يهودية أكدت أنه لم يتم اللجوء إلى الرحلات المباشرة لشركة "العال" الإسرائيلية إلى جربة، وان "الزوار" جاؤوا عن طريق أوروبا وتسلموا من السلطات التونسية اجازات عبور خاصة، بدل جوازاتهم التي احتفظت بها أجهزة الأمن في مطار جربة. ودعي عشرات الصحافيين لتغطية الاحتفالات لحساب محطات تلفزيونية وإذاعية أوروبية وإسرائيلية، وهو تقليد مستمر منذ أواسط التسعينات في أعقاب إقامة علاقات ديبلوماسية على مستوى مكاتب الاتصال بين تونس وإسرائيل العام 1994. تقليد "المنارة" وتعتبر "المنارة" أهم فصل في الاحتفالات الدينية التي تجرى كل سنة في كنيس "الغريبة" اليهودي في جزيرة جربة والتي يطلقون عليها اسم "الزيارة". ويحمل الزائرون "المنارة" التي تشبه مبخرة كبيرة يزيد ارتفاعها عن المتر، من الحارة الكبيرة حيث يوجد الكنيس إلى الحارة الصغيرة التي لا تبعد عنها كثيراً، ثم يعودون من حيث جاؤوا بعد أن يكون الزوار قد تبرعوا بأموال وهدايا ثمينة للمنارة، وبعضهم يشتري المنارة نفسها، لكن لا يحق له أخذها، وإنما تبقى في "الغريبة". وتشمل الزيارة طقوساً دينية تتمثل بتلاوة فصول من التوراة في كنيس "الغريبة" عصراً برئاسة كبير الأحبار وفي حضور الزوار الآتين من بلدان مختلفة، ثم ينتقل الحضور مساء إلى طاولات الأكل لتناول الأطعمة التي تهيأ في مطابخ وغرف ملحقة بالكنيس. وفسر ميمون حداد، أحد تجار جربة اليهود قصة "الغريبة" بأن فتاة مجهولة الهوية عاشت في الجزيرة وكانت ظاهرة مثل القديسة، إلى درجة أن اليهود أقاموا كنيسهم فوق المكان الذي دفنت فيه وأطلقوا عليه اسم "الغريبة"، نسبة إلى الفتاة التي كانت مجهولة الأصل والهوية. لكن هناك اسطورة ثانية متداولة، مفادها ان فتاة مجهولة غريبة جاءت من البحر حاملة على صدرها لفائف من التوراة، وعندما وصلت إلى الجزيرة وهي منهكة القوى ماتت من شدة الاعياء، فأقيم كنيس في المكان الذي دفنت فيه وسمي "كنيس الغريبة". وتقع "الغريبة" في الحارة الكبيرة من الحي اليهودي الرئيسي في جربة الذي يقدر عدد سكانه ب2000 يهودي، فيما لا يزيد عدد سكان الحارة الصغيرة عن 500 ساكن. ويعمل أكثرية يهود جربة في التجارة أو الذهب، أما شبابهم فبدأوا يتعاطون مهناً عصرية ويدخلون الجامعات، ولذلك هاجر أكثرهم إلى العاصمة تونس أو فرنسا على رغم التغييرات الكبيرة التي شهدتها جربة. ويمكن القول إن اليهود الذين يأتون إلى "الغريبة" من اصقاع العالم، يتكيفون مع عادات اليهود المحليين الذين يتميزون بكونهم شديدي الاعتداد بعراقتهم وبشخصيتهم. ويلحظ المرء تباعداً كبيراً في الملامح والأزياء والعقليات بينهم وبين اليهود الوافدين من إسرائيل أو أوروبا للمشاركة في "الزيارة". واستطاع يهود جربة الاندماج في المجتمع المحلي اندماجاً كاملاً، إذ يصعب على من يزور الجزيرة ويتحدث إلى سكانها ان يميز بين يهودي ومسلم، فالأزياء والعادات واللهجة واحدة، حتى الوشم ما زال شائعاً بين النساء اليهوديات مثلما هو بين المسلمات. طربوش المسلمين وكان لافتاً ان نسيم كوهين الذي يستقبل الزوار في كنيس "الغريبة" يعتمر الطربوش الأحمر الذي يلبسه المسلمون. ويطلب من السياح المسيحيين والمسلمين الذين يدخلون إلى قاعات الكنيس المفروشة بالسجاد، أن يعتمروا "الطاقية" اليهودية مثلما تقضي الطقوس، ومن السيدات أن يضعن خرقة على رؤوسهن، لكن قليلاً ما يستجيب الزوار لطلباته. ويبدو ان هذا الاندماج قديم، فالرحالة الادريسي الذي زار جربة في العصر الوسيط، عبّر عن دهشته من مظاهر التشابه بين حياة اليهود وحياة سكان الجزيرة المسلمين الذين يدينون بمذهب "الاباضية"، وهي فرقة من الخوارج لجأت إلى جربة منذ أكثر من اثني عشر قرناً. وعلق أحد التجار المسلمين في بلدة "حومة السوق" عاصمة الجزيرة على علاقاته مع جيرانه اليهود، بالقول: "نحن قدمنا للعالم أفضل مثال للتعايش السلمي بين الديانات، وأثبتنا قدرة مجتمعنا على تكريس التسامح، فيما فشلت إسرائيل في تحقيق هذا الهدف، وهو ما يفسر ان اليهود الذين هاجروا من جربة لم يستقروا في إسرائيل، وسرعان ما انتقلوا إلى فرنسا أو عادوا إلى موطنهم الأصلي". ويؤكد المؤرخ اليهودي شلومو ديشن ان منظمة صهيونية ظهرت في جربة في العام 1912 "إلا أنها لم تستقطب أعداداً كبيرة من يهود الجزيرة عدا بعض الشباب، لكنها لاقت اقبالاً نسبياً بعد الحرب العالمية الثانية، خصوصاً لدى المتدينين الذين تحمسوا للذهاب إلى "أرض الميعاد". وحاول يهود جربة انشاء قرية بالقرب من تل أبيب اطلقوا عليها اسم "جربة الجديدة" للمحافظة على عاداتهم ونمط عيشهم، لكن أكثرهم غادر إسرائيل إلى فرنسا، حيث استقروا أو عادوا إلى تونس". وفي الأعوام الأخيرة، بدأت جربة تستقبل مئات "الحجاج" اليهود الذين يأتون للمشاركة في "زيارة الغريبة"، وكان السياح الإسرائيليون يستخدمون جوازات أوروبية أو أميركية، إلا أنهم صاروا يأتون بجوازات إسرائيلية يتركونها عند سلطات الأمن التونسية في المطار.