الأرجح أن تحضّ الذكرى الأربعين لإطلاق حبة منع الحمل Contraceptive pill التي مرت في التاسع من أيار مايو الجاري، على إعادة التأمل في العلاقة بين المجتمع والتقنية. هل صحيح القول إن الحبة أطلقت موجة تحرر نسوي وجنسي وأنها حفزت الدول على دخول معترك تنظيم النسل؟ أم أن ثمة فسحة لقول مغاير ومعاكس؟ منذ القرن التاسع عشر، لاحظ عالم الاقتصاد الإنكليزي جون مالتوس مشكلة التزايد السكاني، وأرجع إليها التسبب بالحروب والمجاعات. وبعد حربين عالميتين في مطلع القرن العشرين، تأسست الأممالمتحدة التي جعلت تنظيم النسل هدفاً رئيسياً مبكراً لها. في الخمسينات، أنجزت معظم الدول الغربية صوغ برامج تحديد أعداد السكان، وفي العالم الثالث وضعت دول مثل مصر والصين والهند، وعلى نحو متفاوت، سياسات حيال التكاثر وطفرته. إذاً، جاءت الحبة تماماً في الموضع الذي حدده المجتمع، وعلى أي حال لا تشهد العقود الأربعة على نجاعة الحبة في حل المشكلة السكانية ولا حتى على الترابط بين الأمرين. الأغلب أن الوصف نفسه ينطبق على علاقة الحبة مع التحرر الجنسي، وهو معطى ثقافي أساساً، لكنه أمر يحتاج الى مقام آخر لقوله. وفي كتابه الأخير، "ضد المتوائمين الجدد"، وجه الأنّاس البريطاني رايموند ويليامز نقداً حاداً الى مقولات شائعة عن علاقة المجتمع بالتقنية، كالقول "إن اختراع الراديو غيّر حياة الملايين". درس ويليامز تطور الراديو وظهوره، بدءاً من اكتشاف موجات الهيرتز نفسها. وخلص الى أن القوى الاجتماعية، كما تمثلها مؤسسات مثل البنتاغون العسكر وشركات السلع والإعلان الاقتصاد هي التي قادت مسار التحول صوب الراديو كجهاز منزلي. وليست حال ابتكار تقني هي التي تؤدي الى قيام مؤسسات اجتماعة وبنى ثقافية، فقد تطور الابتكار نفسه، وضمن المعطيات والإمكانات القائمة نفسها، الى نظامين تقنيين بديلين تماماً: الراديو عن طريق الهاتف والإذاعة. فإلى أي حد يمكن اعتبار الهاكرز مخترقو أنظمة الكومبيوتر وصناع الفيروسات، مثل فيروس "أحبك"، وجهاً آخر لمحاكمة شركة مايكروسوفت أو كاستمرار للنقاش العميم في احتمال هيمنة تحالف "أميركا أون لاين" AOL و"تايم وورنر" على إعلام الإنترنت؟ يمكن النظر الى تلك المحاكمة كجزء من سياق الدولة التي بات عمادها المعلوماتية، أي أميركا، مع تلك التقنية وعلومها، وباستخدام إحدى الأذرعة القوية للدولة أي السلطة القضائية. ثمة استطراد آخر. يروق للبعض تشبيه فيروسات الكومبيوتر بالإيدز، فإلى أي مدى تم التفكير ملياً بهذا التشبيه؟ وما هو الوباء الجرثومي، على أي حال؟ وإلى أي حد تتضمن الأوبئة أبعاداً اجتماعية وثقافية، بما في ذلك معطيات التوازن والتعدد البيئي، حاسمة؟ إذا قُبل التشبيه، تصبح هجمة فيروس "أحبك" صنواً لظاهرة بيولوجية حديثة هي عودة الأمراض الوبائية وانبعاثها أو ما يطلق عليه مصطلح Re Emerging Infectious Diseases. الأغلب أن صنو ذلك كله في السياسة هو حروب الإثنيات والقبائل والتعصبات المتفشية، والتي ما برح صليلها يتردد في سيراليون وكوسوفو والشيشان والفيليبين والتيبت وغيرها. لكنه شأن آخر. أحمد مغربي