} مع بداية الشهر المقبل، تنظر المحاكم الفرنسية في قضية تجسس الكتروني رفعها الكويتي طارق الباشو على ادارة المعهد الفرنسي الذي كان يدرس فيه، واتهمها بفتح رسائله الالكترونية. وهذه ليست مسألة فريدة، بل هي جزء من صراع تدور رحاه على الانترنت. في مدة غير بعيدة من المناقشة القانونية - المعلوماتية في شأن موقع مزاد التذكارات النازية في برنامج "ياهوو" لتصفح الانترنت، تنظر المحاكم الفرنسية مطلع الشهر المقبل، في دعوى رفعها الكويتي طارق الباشو 33 عاماً، الذي كان طالباً في احد معاهد الهندسة في فرنسا، يتهم فيها ادارة المعهد بانتهاك حقوقه الشخصية وخصوصيته، لاطلاعها على رسائل بريده الالكتروني. ولا تتهرب ادارة المعهد من التهمة !، لكن اختصاصييّ المعلوماتية فيها يبررون عملهم بضرورة الحفاظ على سلامة الشبكة الداخلية للكومبيوتر في المعهد، والمتصلّة مع الانترنت، من هجمات فيروس الكومبيوتر. وذكّر محامو المعهد بما أحدثه فيروس "أي لوف يو" I Love You من اضرار عميمة، بينما أكدّ اختصاصيّو المعلوماتية في المعهد أن الوقاية من فيروسات الكومبيوتر يصعب تفعيلها من دون مراقبة الرسائل الالكترونية وفتحها، حتى لو لم تُقرأ! ويذكّر موقف المعهد برد الفعل البدائي والغريزي، وقد تم تجاوزه في الغرب، الذي اعتبر تشديد الرقابة على الاتصال الجنسي مدخلاً للوقاية من فيروس الإيدز. والرابط بين الحالين هو انتقال العدوى، من طريق الاتصال، سواء بالجسد الفيزيائي المباشر أو عبر الرسائل الالكترونية. وفي ذاكرة السينما العربية موازاة مشابهة. ففي فيلم "البوسطجي" 1968 تؤدي الرقابة، المدفوعة بهوام الجنس لدى موظف الدولة شكري سرحان على الاتصال بالبريد بين احدى فتيات القرية وحبيبها، الى نشوء فضيحة جنسية تذهب بحياة تلك الفتاة. وتصل الموازاة بين الحق في الخصوصية الفردية وانتهاكها الى مستوى الحق في الحياة ونقيضها: الموت. ولا يتسع المقال لتفصيل النقاش في مسألة جبه الفيروسات الالكترونية، لكن جائحة فيروس الايدز تعطي سابقة لافتة. ففي المجتمعات الغربية، إنحسر المرض مترافقاً مع صعود متنام لإمساك الأفراد بخصوصياتهم وحقوقهم الأساسية، بما فيها الحق في اتخاذ القرار في شأن الاتصال. والأرجح ان ذاك هو الخيط المشترك الذي يصل بين اتجاهات متنافرة تماماً، بدءاً من تجدد أشكال الطهورية الاخلاقية والعذرية، وصولاً الى الطرف المقابل، أي التمسك بالمثلية الجنسية كشأن خاص. إذاً، تمثلت العتلة الرئيسية غرباً، في مواجهة فيروس الإيدز، بزيادة قوة الأفراد، وبالضد من ميول الرقابة التسلطية، وتأكيد الحق في الخصوصية. وتنبعث رائحة تسلط لا يطاق من حديث اختصاصيي المعلوماتية في المعهد عن "أولوية الأمن" وضرورات المواجهة مع "العدو" متمثلاً بالفيروس الالكتروني، كأنها تعيد صياغة الشعار العربي "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" الشهير الذي أدى الى مصادرة الحرية والهزيمة في آن! وفي الانترنت، ثمة معارك مفتوحة وضارية تخاض في شكل متفرق، نظراً الى جدة الانترنت في الحياة اليومية، ويجمعها خيط حقوق الأفراد حيال قوى التسلط التي تحاول الهيمنة على الشبكة. وبمعنى ما، فإن قضية طارق الباشو تمد خيوطها نحو قضية شبكة "نابستر" Napster الموسيقية التي تحارب من أجل حق الأفراد في تبادل المعلومات بينما تُشهر الشركات المعولمة سلاح "الملكية الفكرية"، الذي صار موضع نقد دولي ترددت أصداؤه في الأورقة الرسمية للأمم المتحدة. وتلامس القضيتان ما هو معروف من وجود برامج E.T. التي تصنعها شركات المعلوماتية والتجارة الالكترونية وتفضح المعلومات الشخصية والخاصة أمام أعين الشركات. ويتلاقى السيل مع المخاوف التي ما فتئت تترى منذ أواخر السنة الفائتة، حيال قوى الهيمنة على الاتصال عبر الانترنت، والتي باتت في حوزة الشركة المندمجة AOL - Timewarner. ويحفز هذا الصراع، غياب القوانين والمؤسسات التشريعية التي يعود اليها القول الفصل، وتؤدي عالمية الانترنت الى مفاقمة الصعوبات. فإلى أين يفضي التجاذب بيم الافراد والشركات؟ وأي أثر يتركه على هيئة الانترنت ومستقبل المعلوماتية؟