واشنطن - "الحياة" - هذه العجالة لا تكفي لرصد التقاطع الضخم بين العلم الطبي، وجسد الأنثى بابعاده الاجتماعية والثقافية، الذي انطلق في 9 أيار مايو 1960 حين أجيزت حبة تنظيم الحمل Contraceptive pill في الأسواق الأميركية أولاً، ومنها اجتاحت العالم. لم يزد الأمر عن وضع ميلليغرامات قليلة من هرمون الأوستروجين، الهرمون الذي يفرزه مبيض الأنثى ويؤدي دوراً اساسياً في تنظيم الدورة الشهرية والحمل، في حبوب يؤدي الانتظام في استعمالها الى تحكم المرأة بقدرة جسدها على الانجاب. لكنها الستينات التي كانت حارة تماماً: الحرب الباردة في ذروتها مع أزمة الصواريخ الكوبية وشبح الفناء الذري للعالم، وحركات التحرر الوطني في عز صعودها الايجابي واعادة صوغ مفاهيم وعلاقات أساسية بين الشعوب، والحرب الفيتنامية تشهد غارات الابادة بالغاز البرتقالي فيما التظاهرات تجتاح أميركا مطالبة بالخروج من فيتنام، وتلاقي حركة مساواة السود مع البيض في اميركا مع اجتماعات الطلبة ضد الحرب والتمييز العنصري والتراتبية الطبقية و... القمع الجنسي. غالباً ما استعيدت "الحبة" في ترافقها مع صعود الحركة النسوية وتعزيز التحرر الجنسي عبر فصم العلاقة بين الانجاب والممارسة الجنسية. مالت النسوية الى تأييد الحركة الاحتجاجية في الستينات. ولعل مهرجان وود ستوك، حين اجتمع آلاف لممارسة حرية الجسد من الرقص، مروراً بتدخين الماريجوانا، وصولاً الى الجنس، يعبر عن الظلال التي ترافقت مع الحبة... وكل ذلك يبدو كلاماً مألوفاً ومكرراً. لم يستقبل العالم الحبة في شكل متساو، وما شكّل في الغرب أداة مساعدة لردف التحرر، تحوّل في الشرق أداة مضافة للهيمنة على الإناث. تبنّت دول العالم الثالث الحبة لتعزيز خطط عرجاء في تنظيم النسل، اذ أن نظرت سلطة الذكور الى جسد المرأة مكاناً لممارسة السيطرة، بينما ظل الرجل متمتعاً بحرياته. حتى اللحظة لم ينتج العلم حبة تحديد النسل للذكور، بينما حرصت هيمنة الرجال على التوصل الى تجميد المنيّ منذ الخمسينات، أي قبل خمسة عقود من التوّصل الى تقنية مشابهة حيال البويضات النسوية. تدل كل تلك الأمور أن العنصر الحاسم يقع في الاجتماع والثقافة، وانهما يقودان العلم ومساراته. ذلك درس جدير بالتذكر مع تزايد اندراج العلم والتقنية في الحياة اليومية للبشر، وهو أمر لا يملك حياله البعض سوى موقف الدهشة. لكن الدهشة هي أيضاً ما يأخذ العقل والشعور وما بينها خارجاً، ويخرجهما عن اشتغالهما الأصيل بانتاج الفكر وقيادة الكائن الانساني. وللحديث صلة.