"عد ما شئت عميقاً الى الماضي، ستجد دمشق دائماً هناك. بالنسبة الى دمشق السنوات هي شهور فقط، والاجيال عبارة عن مقاطع ضئيلة من الوقت. انها لا تقيس الوقت بالأيام أو الشهور أو السنوات ولكن بالامبراطوريات التي شهدتها تبزغ وتزدهر ثم تتحول الى انقاض. انها نوع من الخلود، شهدت اليونان تطلع وتنمو وتموت قبل ألفي سنة، وشهدت روما تُبنى وتغمر العالم بسلطانها ثم رأتها تهلك. نظرت الى العالم عبر العظام المتيبسة لألف امبراطور وسترى قبور ألف آخرين قبل ان تموت". بهذه الفقرة التي كتبها الاديب الاميركي مارك توين العام 1869 عن دمشق يفتتح الجزء الأول من كتاب "دمشق: الكنوز الخفية للمدينة القديمة" من تأليف بريجيد كينان وتصوير تيم بيدّو، ويقع في 224 صفحة من القطع الكبير. يقال ان دمشق هي أقدم مدينة مسكونة باستمرار على وجه الأرض، الأمر الذي يجعل منها أكبر موقع اركيولوجي بكر.. فلا أحد أبداً استطاع ان يكشف عما يكمن تحت سطحها من كنوز وآثار، لأنها ببساطة كانت مسكونة دائماً، واسرارها مدفونة تحت مترين ونصف المتر من التربة حيث ساهمت كل حضارة مرت بها وكل فترة تاريخية بطبقة جديدة. وفي كل مرة، تقريباً، تُحفر فيها حفرة من أجل مد سلك أو تصليح مجرى فإن أثراً ما أو جداراً مدفوناً يظهر للعيان. في أربعينات القرن الماضي واثناء الحفر من أجل اعمال صيانة عادية ظهر قوس ثلاثي روماني، اخرج في ما بعد واعيد بناؤه ولا يزال قائماً اليوم. وفي الستينات وأثناء حفر أساس لبناء ظهرت أربعة أعمدة رومانية... وتلك أمثلة قليلة اوردها الكتاب بين أخرى كثيرة معروفة، وكان العمل التنقيبي المعتمد الوحيد تقريباً، والذي سمحت به طبيعة المدينة، يجري في موقع سوق الذهب القديم سوق الصاغة الذي احترق عن آخره في الستينات. تمتعت دمشق عبر التاريخ بمجد سياسي وقوة اقتصادية وتراث فني ومعماري عظيم. والى جانب الآثار الاسلامية الباهرة وفي مقدمها الجامع الأموي، فإن المدينة تتباهى اليوم بتراث آخاذ من القصور والبيوت الخاصة التي يحتاج الكثير منها الى اصلاحات عاجلة. حفظت لنا مؤلفة الكتاب ومصوره سجلاً جميلاً لهذه التحف المعمارية التي لا تقدر بثمن، وقدماها للجمهور في كتاب جميل ذي فائدة كبيرة للمهتمين بالتراث المعماري في العالم الاسلامي، ويبدو انهما تمتعا بفرصة طيبة للاطلاع على العوالم الداخلية المخفية للبيوت الدمشقية... وكانت النتيجة هذا العمل المميز. تحدد كينان تاريخ بداية تعلقها بالمدينة يوم دخولها للمرة الاولى الى باحة أحد البيوت الكبيرة في المدينة القديمة بيت مجلدّ . وتصف كيف انها لم تكن مهيئة لما كانت ستراه "الذي غمرني كلياً بروعته، وبعدما لاحظت الحالة المزرية التي كان عليها المبنى ملأني الإضطراب وعدت مسرعة لأحاول إقناع زوجي بان يبيع بيتنا في بريطانيا لإنقاذ هذا القصر الدمشقي. لكن لحسن الحظ تقدم شخص آخر لانقاذ البيت وقررت من جهتي ان أركز جهودي على تأليف هذا الكتاب بدلاً عن ذلك، املاً في ان يقتنع آخرون بتفرد دمشق واهمية الحفاظ على تراثها". ثم تمضي كينان في رحلة وصف شاعرية للحياة اليومية في دمشق بصورة تعبّر عن حبها وتعلقها بغنى هذه الحياة وبساطتها. وكانت كينان ذهبت مع زوجها الديبلوماسي الى سورية العام 1993 وهي تقارن رحلتها تلك وعلاقتها بدمشق برحلة وعلاقة ايزابيل زوجة القنصل البريطاني المشهور ريتشارد بيرتون قبل اكثر من 120 سنة: "وجدت نفسي - مثلها - أقع في غرام المدينة". وكانت ايزابيل بعد فترة طويلة من مغادرتها المدينة تُسأل ان كانت اعجبت بدمشق فتجيب دائماً: "اعجبت بها؟! عيناي تترقرقان وقلبي يرتجف حتى من السؤال"، وكانت وصفت امسية قضتها على جبل قاسيون قبل مغادرتها وزوجها سورية بأنها "آخر أيام حياتي السعيدة". ومثلما تختفي كنوز كثيرة في طبقات أرض دمشق، فإن بعضاً من أثمن كنوزها الأخرى لا تكاد تبدو للعين العابرة مع انها موجودة في كل مكان هذه المرة. فدمشق لا تمنح جمالها بسهولة، وعراقتها تتطلب من الصبر والتقصي اكثر مما تتطلبه مدينة سياحية تعطي لزائرها كل شيء دفعة واحدة. وربما وجدت كثيرين من زوارها، وحتى من سكانها، لا يعلمون شيئاً عن السحر المتواري خلف جدران بيوتها القديمة. اضافة للصور الثرّى المتوقعة للاماكن والتحف الأثرية في كتب تعنى بتقديم أبهج صور التراث، فإن في الكتاب ايضاً ما هو غير متوقع في هكذا مؤلفات، لأنه من طبيعة مختلفة ولأن حباً حقيقياً لموضوعه يكمن خلف تأليفه ويقود خطوات مؤلفته. فلم يكن المقصود تقديم صورة سياحية بهيجة بقدر ما هو صورة واقعية عميقة تستمد جمالها من جمال الحقيقة المصورة الذي لا يحتاج في حالة دمشق القديمة الى جهد خاص لتبيانه. ففي مقابل صور الاماكن والواجهات والساحات التي بقيت بحالة جيدة أو التي اعيد ترميمها، لم تتجنب المؤلفة - بل تعمّدت - تقديم الاماكن التالفة والمتداعية والمهملة. وهذا في رأيي يوصل رسالة الكتاب التي أُشير اليها مرات عدة، وهي حث الجهات المسؤولة والاشخاص والمؤسسات القادرة على العمل لانقاذ آثار دمشق التي لا تعوض من الاندثار، وذلك عن طريق المقارنة بالصور بين الجمال الذي كانته ويمكن ان تكون عليه بعد الاصلاح وحالها الراهنة المتداعية. وقد عمدت المؤلفة الى هذه المقارنة بصورة اكثر مباشرة وحدة في مواقع مختلفة منها صورتان متقابلتان تمثل الأولى لوحة رسمها الانكليزي سير فريدريك ليتون العام 1873 لإحدى باحات بيت فارحي في دمشق وصورة فوتوغرافية للمكان نفسه وقد تداعى وخرب، وعلّقت المؤلفة عليها بالقول: "بيت فارحي حالياً ظل للعز السابق". وهناك صورة صالون بيت كزبري الواضح عليها آثار العز الغابر والأبهة والجمال التي زحف عليها البلى وغطاها الغبار، وحيث تتدلى ثريا بديعة الصنع بين ستائر الشبابيك المهلهلة وفوق الآنية والقدور وعلب الاغذية المتروكة في الصالون وحيث المقاعد الفخمة التي تهدلت اغطيتها واتسخت وتمزقت وسائدها وحشياتها وكأن المكان كله قد مرت عليه كارثة عابرة... وذلك في مقابل صورة لصالة فائقة الروعة تبدو كتحفة شرقية اكثر منها غرفة للجلوس في بيت دحداح. بهذا المعنى يتحول الكتاب الى نداء والتماس شديدي التعبير من اجل الحفاظ على قلب المدينة التاريخية العريقة. يقول رجل الاعمال السوري وفيق رضا سعيد الذي طبع الكتاب على نفقته: "إنه لأمر محزن ان الناس لا يعرفون قيمة ما يملكون حتى يفقدونه، وهذه حقيقة موجودة حول العالم. لذلك فإن جواهر معمارية عدة هدمتها الجرافات قبل ان يتبين الناس جمالها، وبالطريقة نفسها التي فقدت فيها بيوت اوروبية كثيرة في السنوات الماضية بسبب الاهمال وتغير أذواق الناس، فإن بيوتاً قديمة كثيرة فقدت في دمشق ايضاً". يضرب سعيد مثالاً على ذلك بمأساة شخصية حدثت له حيث عمد مالك لاحق لمنزل عائلته العريق في دمشق الى هدمه، وهو مصير أصاب بيوتاً كثيرة في العالم العربي، حسب ما يقول سعيد، فهذه البيوت لا تناسب حاجات القرن العشرين ومتطلباته، فما بالك بالواحد والعشرين. ونتيجة لذلك واذا لم تستحدث استعمالات جديدة لهذه البيوت فإن كل المدن القديمة التي تكوّنت من مثل هذه البيوت وتدين لها بالجمال هي في خطر. ويضيف: "ان بيوت دمشق، أقدم مدينة مسكونة في العالم، تستحق مصيراً أفضل من ان يطويها النسيان. انني اناشد الجهات المسؤولة ان تتحرك، ان تسجل وتحفظ تراثنا المعماري وتمنع تدميره الذي لا مبرر له. وهذه البيوت بحاجة ايضاً الى مالكين جدد يحافظون عليها، يرممونها، ويعتزون بها. انني آمل في اننا عن طريق تقديم هذه البيوت وتاريخها الى جمهور أوسع بهذا الكتاب، فإننا نحفز الاهتمام لايجاد طرق تمكن هذه البيوت الرائعة من البقاء والازدهار في المستقبل". ويصاحب الصور عرض تاريخي مطول للمدينة يقدم فكرة واقعية عن نشوئها ونموها وازدهارها عبر العصور مع وصف لعمارتها وحياتها اليومية الى جانب وصف دقيق لبيوت خاصة فيها هي محور الكتاب والناس الذين بنوها وسكنوا فيها. تقول كينان: "لست مؤرخة ولا باحثة، وهذا الكتاب لا يدعي الصفة الاكاديمية اكثر مما هو محاولة لإعطاء هؤلاء الذين لا يعرفون المدينة القديمة وبيوتها لمحة عن الروائع التي تقبع مخفية خلف جدرانها الرتيبة". Damascus: Hidden Treasures of the Old City By: Brigid Keenan Photographs by: Tim Beddow Thames & Hudson - London 2000 ISBN 0-500-97484-