اعتقدت في نهاية الاسبوع ان سورية استسلمت للطلبات الاميركية والاسرائيلية، وقبلت السلام المعروض، حتى لا نقول المفروض، فقد قرأت يوم السبت الماضي في صحيفة "التايمز" مقالاً نادراً جميلاً عن دمشق وبيوتها العتيقة، أثار شكوكي، ثم قرأت تحقيقاً هائلاً عن حلب في اليوم التالي شغل الصفحتين الاولى والثانية من ملحق السفر والسياحة في جريدة "الصنداي تايمز"، ما ضاعف هذه الشكوك. استطيع ان اقول اليوم بعد ان بحثت في الموضوع ودرسته وقلّبته على جوانبه، ان سورية صامدة لم تقبل شيئاً، ولن تقبل ما هو اقل من حقوقها كاملة، وان جهد "التايمز" و"الصنداي تايمز" هو اعتراف بما تنطوي عليه بلاد الشام من سحر يمكن ان يجتذب السياح من اقصى الارض، لو استغل جيداً. هذا السحر يعمل بشكل خاص في النساء الانكليزيات، وكاتبة المقال فاليري غروف اعترفت بأنها وقعت في الأسر وهي في الطريق من بيروت الى دمشق اول مرة سنة 1973، ولا تزال اسيرة ذلك السحر. وهي ذكرتنا بالليدي إلينيره، او جين ديغبي، التي عشقت "الجمّال" عبدول في الطريق الى دمشق، فتزوجته، وكان زوجها التاسع والاخير. وهي لم تكن وحيدة في عشقها دمشق فالليدي هيستر ستانهوب سارت في شوارع دمشق في القرن التاسع عشر سافرة الوجه حتى لا يفوتها من جمال المدينة شيء، وايزابيل بيرتون، زوجة القنصل البريطاني سنة 1869، قالت ان ذكرى دمشق "تملأ عينيها بالدموع". غير ان غروف لم تكتب عن نفسها او عن هؤلاء، وانما كتبت عن بريجيد كينان، وهي زوجة ديبلوماسي بريطاني، ذهبت الى دمشق مع زوجها سنة 1993، وتعلّق قلبها ببيت تقليدي في المدينة القديمة فقررت البقاء لاصلاحه وترميمه وردّه الى جماله السابق. بريجيد كينان الفت كتاباً ضخماً عن دمشق التي تعتبرها "لؤلؤة الصحراء" بعنوان "دمشق: الكنوز الخفية في المدينة القديمة"، مع صور من تيم بيدو. كينان ليست مجرد زوجة ديبلوماسي تريد التسلية، فهي صاحبة خلفية مهنية ناجحة، وقد عملت يوماً مسؤولة عن الازياء في "الصنداي تايمز" وفي "الاوبزرفر"، وكانت مساعدة رئيسة تحرير مجلة "نوفا" وقد أشار اليها جوناثان ايتكن في كتاب له عن مشاهير النساء في الستينات. كينان فوجئت بالإهمال في الاسواق القديمة والازقة، وبتداعي المباني القديمة فيها. وهي عشقت بيتاً قديماً في حالة تآكل واهمال، وكان من حسن حظها انها ورثت ما يكفي لشرائه بثلاثين ألف دولار، فعملت على اصلاحه، واطلقت عليه اسم "بيت بريجيت"، وهي تقول انها تستطيع ان ترى من نافذته القمر فوق المسجد الاموي. والموضوع كله غزل في دمشق وبيوتها القديمة، غير انني انتقل قبل ان يضيق المكان، الى حلب حيث العاشق هذه المرة هو مارك هدسون الذي يتحدث عن عاصمة الشمال وكأنها امرأة ساحرة غامضة لا تعطي سرها احداً. باختصار، يقول هدسون ان حلب تقوم على ملتقى طرق التجارة والحج القديمة، وكل شيء فيها، مهما كان قديماً، مبني على شيء آخر. المساجد على كنائس بيزنطية، وهذه على معابد اغريقية ويونانية، فوق كنس يهودية ومعابد زرادشتية وغيرها. وفي حين ان الانسان لا يرى بعد قرون من الحروب والزلازل سوى آثار تعود الى العصور الوسيطة، إلا انه يدرك ان ثمة طبقات من التاريخ تحت قدميه، بل في الهواء الذي يتنفسه، "فكأن الانسان يتنشق غبار التاريخ مع عبق "القرفة" وبخار عوادم السيارات". ويشعر الكاتب بأنه حتى وهو يستحم في اصوات الحي القديم من المدينة ان حلب لا تسرع لكشف اسرارها، فكل شيء حولها غامض يبعث الجنون. المقال طويل مع صور ملونة وخرائط، وهو لا يترك شيئاً، قديماً او حديثاً، إلا ويعرضه بعين المحب المعجب. وتحتل الموسيقى المحلية حيّزاً طيباً من اهتمام هدسون، وينهي مقاله بتسجيل تفاصيل عن وسائل السفر الى حلب، وأيضاً عن كيفية الحصول على "ديسكات" للموسيقى المحلية. وأعترف بأن التحقيق تضمن تفاصيل كثيرة ومعلومات عن حلب وجدتها جديدة عليّ. الا ان التحقيق على موسوعيته، فاته شيء عن حلب اعرفه، وهو انهم هناك يضعون في ساندويش الفلافل لبناً، وليس "طراطور" كما في دمشق والقاهرة وبيروت وغيرها. قرأت عن السياحة في سورية وقلت "شو عدا ما بدا"، وسرح فكري الى التسوية، غير انه تأكد لي بعد البحث، ان سورية صامدة، بل آخر الصامدين.