كتبت عرضاً عن فندق جميل على البحر الميت قبل أيام فجاء من يسألني عن السياحة في الأردن وهل تستحق عناء الرحلة. طبعاً هي تستحق، إلا أنني لا أقول هذا عن معرفة شخصية، فالعربي لا يسيح في بلاده، وإنما يأكل، أي أنه يفتش عن أفضل مطاعم، قبل أن يسأل عن الآثار فيها. ذهبت إلى البحر الميت مدعواً إلى غداء نغص عليه، رغم الرفقة الطيبة، رؤيتي الأرض محقلة عبر الماء. وأعرف ان سدوم وعمورة قامتا على ضفاف البحر الميت، إلا أنني لم أبحث عنهما فحظي سيء إلى درجة أن أتحول إلى عمود ملح من دون الملذات السابقة له. أعرف من الأردن كذلك البتراء، غير انني زرتها طالباً صغيراً مع الأهل، يعني قبل مئة عام، وبلاد النبطيين لا تحتاج إلى شرح مني. وهناك جرش وعجلون، وما فيهما من آثار يونانية ورومانية وأموية. إلا أنني زرتهما آخر مرة في صيف 1971 بعد المواجهة المعروفة في أحراشهما مع الفدائيين. واسمع ان مادبا مدينة الفسيفساء، إلا أنني لم أزرها، ثم هناك وادي رم والصحراء وقصورها. مع ذلك انصح القارئ أن يبدأ بالبحر الميت، فبرنامج تلفزيوني أميركي حذر قبل أيام من أن مياهه تنضب باستمرار وإذا لم يعكس هذا التيار فسيجف البحر الميت، فهل يصبح البحر الراحل؟ إذا كان ميتاً أليس راحلاً؟ باختصار، الأردن بلد سياحي عظيم، إلا أنني اعرف منه المطاعم وبيوت الأصدقاء. ولا أشعر بتقصيري في معرفة البلاد العربية إلا وأنا أقرأ في الجرائد الأجنبية عما توفره هذه البلاد من معالم سياحية نادرة. مصر لا تحتاج إلى دعاية، ففيها وحدها ثلث آثار العالم القديم كله. وعندما زرت الأقصر وجدت بين البيوت من الآثار ما يفوق ما تفاخر به مدن كبرى حول البحر الأبيض المتوسط. ولا يكاد يمضي أسبوع من دون أن أقرأ تحقيقاً أو أكثر عن آثار مصر. بل ان آثارها تتبعني إلى الخارج. فعندما كنت في فينكس، بولاية اريزونا، في كانون الأول ديسمبر الماضي وجدت متحفها يقدم معرضاً فرعونياً اعتبر حدث الموسم. هذه الأيام أنا في نيويورك، وهي تستضيف في متحف متروبوليتان معرضاً بعنوان "الفن المصري في عصر الاهرامات"، وصفته "نيويورك تايمز" بأنه "أهم أحداث الخريف" في مدينة المال التي لا تنام. قبل مغادرتي لندن إلى نيويورك شعرت بتقصيري في معرفة البلدان العربية وأنا أقرأ في يومين متتاليين في "الديلي تلغراف" ثم "الصنداي تلغراف" تحقيقين نادرين، الأول عن بيت لحم، والثاني عن سورية. فيليب جاكوبسون زار بيت لحم فوجدها ورشة عمار والفلسطينيون يستعدون لاستقبال السياح في مناسبة الألفية الثالثة، عندما يتوقع أن يزور مهد السيد المسيح بين عيد الميلاد هذه السنة وعيد الفصح من السنة القادمة حوالى ثلاثة ملايين سائح. قال أهل المدينة إن الألفية فاجأتهم، فالمدينة عادت إلى الحكم الفلسطيني سنة 1995. ووجد الكاتب الذي يعرف بيت لحم جيداً ان أهلها انجزوا الكثير بعد خراب الاحتلال. ساحة المهد اكتملت وكذلك مداخلها بفضل تبرعات أميركية وسويدية ونرويجية ويونانية. والحركة الفندقية تتوسع باستمرار وهناك حوالى 700 غرفة إضافية قيد البناء، كما ان فندقاً عالمياً بدأ يقوم على طريق الخليل قرب قبر راحيل. بيت لحم تضم حوالى 125 ألف فلسطيني نصفهم من المسلمين ونصفهم من المسيحيين، وكلهم يد واحدة في إعادة إعمار مدينتهم لتكون رمز السلام في الألفية الثالثة. وقرأت ان سياحاً من الروس الارثوذكس أصبحوا يأتون إلى بيت لحم عن طريق مطار غزة الذي يبعد عنها حوالى مئة كيلومتر. لم استطع مقارنة ما أعرف عن بيت لحم بما قرأت، فقد زرت المدينة آخر مرة في شتاء 1966 قبل الاحتلال. غير انني استطعت مقارنة معلوماتي بما كتب جون غيملت عن سورية بعد أن زارها مع زوجته جين. هما زارا دمشق كما أعرفها، وتحدث الكاتب عن الشارع المستقيم، وسوق الحميدية، والمتحف الوطني الذي يضم قططاً فرعونية وثيراناً يونانية تعود إلى 3500 سنة قبل الميلاد. وكنت عندما زرت الشارع المستقيم أخيراً قرأت أسماء أسر توارثت المتاجر الصغيرة وكل اسم يدل على صنعة معينة. واعجبني تحديداً اسم "حبّال"، إلا انني وجدت أنه يصنع الحبال لا ما فكرت فيه. زار الكاتب معلولا وقد زرتها، فالمدينة تتكلم الآرامية لغة المسيح الذي لم يكن يعرف العبرية. غير ان الكاتب هزمني بعد ذلك وهو يزور تدمر، ثم حلب حيث عرج على فندق باردن الذي نزل فيه لورنس وأتاتورك وروزفلت وتشارلز لندنبرغ وأغاثا كريستي. في نيويورك، نزلت في فندق والدورف استوريا، وقد نزل فيه الملك فيصل يوماً، ورأيي أنه أهم من كل هؤلاء.