للمرة الثالثة في أقل من أسبوع، أعاد فلسطينيون بمساعدة أهالي البلدة، بناء مساكنهم التي هدمتها قوات الاحتلال الاسرائيلي في حي العيسوية المقدسي، وذلك في تجسيد لصراع الوجود الذي يخوضه الفلسطينيون في القدس تحديدا. ومنذ ساعات الصباح الباكر امس، احتشد العشرات من اهالي قرية العيسوية من اجل اعادة بناء مساكن ريفية شيدها اصحابها قرب اراضيهم الزراعية التي استصلحوها أخيرا. وتقع القرية بملاصقة مستوطنة "التلة الفرنسية"، وتحاصرها من الجهة الشرقية مستوطنة معاليه ادوميم الضخمة والتي تتمدد بشكل متواصل. ويدور الحديث في العيسوية عن ستة بيوت متواضعة مشيدة بالطوب عاودت قوات كبيرة من جيش الاحتلال الاسرائيلي هدمها مساء اول من امس بعد أن اعاد المواطنون بناءها قبل ثلاثة ايام في ما يشبه "لعبة القط والفأر". وهذه ليست المرة الاولى التي يقوم بها مواطنون بإعادة بناء بيوت هدمتها قوات الاحتلال الاسرائيلي، الا انها المرة الاولى التي يقوم بها هؤلاء بذلك من دون مساعدة او مشاركة من اعضاء في حركات اسرائيلية يسارية، بل بمساندة نواب فلسطينيين مقدسيين قرروا هذه المرة ألا يكتفوا ببناء ما تهدمه اسرائيل من منازل فلسطينية في المنطقة فقط، بل وتشييد "مقر دائم" لهم في العيسوية وفي المنطقة ذاتها المهددة بالمصادرة. وأوضح النائب المقدسي حاتم عبدالقادر الذي وضع "حجر الاساس" لمقر النواب الفلسطينيين في القرية، أن بناء المقر الجديد "رسالة للاسرائيليين باننا لن نتراجع عما هو لنا واننا سنعيد كل بيت او منزل يهدمونه، فالقضية هي صراع وجود وبقاء فاما ان ينجحوا بقرضنا أو نستمر فوق ارضنا". ويرى الفلسطينيون في المعركة الدائرة في العيسوية وغيرها من الاحياء الفلسطينية التابعة لمدينة القدس، والمتمثلة بسياسة هدم البيوت التي تتبعها اسرائيل لتقييد التوسع العمراني والسكاني العربي في المدينة من جهة وتمدد المستوطنات "الطوق" الذي يضيق الخناق على المدينة المقدسة من جهة أخرى، الجزء الاخير من الحرب الدائرة منذ احتلال القدس. وفي نظر الدولة العبرية ومؤسساتها بما في ذلك مجلس بلدية القدس، تعتبر العيسوية "عقدة العقد" بسبب صمود أهلها المتواصل رغم كافة التضييقات. فهي تكاد تتداخل مع مستوطنة التلة الفرنسية التي تعتبرها واحدة من "ارقى الاحياء اليهودية" في الجزء الشرقي من المدينةالمحتلة، وتبعد أقل من مئة متر عن مباني جامعة القدس العبرية. وفي هذه الجهة الغربية، خرجت اسرائيل منتصرة حيث أغلقت كافة "المنافذ" على سكان القرية العربية الصغيرة ومنعت البناء فيها بعد أن صادرت مئات الدونمات. أما في الجهة الشرقية، فوضعت الدولة العبرية صخرة ثقيلة على صدر اهالي القرية ببنائها مستوطنة معاليه ادوميم التي باتت "تفرخ" مستوطنات صغيرة كل يوم حتى شارفت على الاتصال بالقدس الغربية، وحدّت من امكان التوسع العمراني والتواصل الجغرافي بين اراضي العيسوية وجاراتها من القرى الفلسطينية التي تعتبرها الحكومة الاسرائيلية جزءا من اراضي الضفة الغربية اي خارج نفوذ بلدية القدس اليهودية. وتأتي عمليات الهدم بعدما لاحظت البلدية الاسرائيلية أن اصحاب الارض من الفلاحين الفلسطينيين باشروا في عملية استصلاح اراضيهم بعد أن تبينت لهم ملامح مخطط اسرائيلي جديد يهدف الى شق شارع يطلقون عليه شارع "الطوق الشرقي" لانه يطوق مدينة القدس من الجهة الشرقية والذي صادرت سلطات الاحتلال بذريعته اكثر من 120 ألف دونم من اراضي الفلسطينيين. ويمر هذا الطريق في منتصف الاراضي التي شرع باستصلاحها زراعيا الامر الذي اثار غضب السلطات الاسرائيلية وجعلها "تخرج عن طورها" وتدمر بجرافاتها ست غرف صغيرة 3 مرات في اسبوع. واتهم الفلسطينيون اسرائيل بدق مسمار في نعش السلام عبر هدم هذه البيوت، فيما اعلن الجيش انها اراضي مملوكة للدولة وان البيوت بنيت بشكل "غير شرعي". لكن وزير الدولة الفلسطيني زياد ابو زياد رد في حديث هاتفي مع وكالة "رويترز": "انهم كاذبون. هذه اراض خاصة ووثائق الملكية مع اصحابها الفلسطينيين. هدموا سبعة منازل وخيام عدة في العيسوية". واضاف ان هذه رسالة واضحة من رئيس الوزراء ايهود باراك الذي اصدر اوامر الهدم مؤداها انه لا يريد سلاما حقيقيا وانما يريد السلام من دون اعادة الاراضي المحتلة. وتابع ان المنازل هدمت بحجة عدم الحصول على تصاريح البناء التي لا تمنحها اسرائيل للفلسطينيين باي حال من الاحوال". واعلن مركز بحوث الارض ومقره القدس في تقريره السنوي الاربعاء الماضي ان هدم اسرائيل للمنازل الفلسطينية في القدسالشرقية زاد بنسبة 16 في المئة عام 1999 وأثر على 330 ساكنا. واضاف ان 36 منزلا فلسطينيا في القدسالشرقية هدمت العام الماضي بالمقارنة مع 31 منزلا عام 1998.