أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة    نائب أمير عسير يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    اللجنة الإحصائية للأمم المتحدة تشيد ب"مبادرة مؤشر جودة الحياة العالمي"    أمين القصيم يوقع اتفاقية لتعزيز التحول الرقمي والتدريب في بريدة ب1.399 مليون ريال    ارتفاع نسبة الأطباء السعوديين من 31% إلى 40% خلال 8 أعوام    تيكا تعزز توسعها في المملكة وتبرم شراكة مع كوسينتينو لتقديم حلول مطابخ فاخرة    أمير جازان يضع حجر الأساس لمركز أمراض الدم الوراثية    هل حان وقت التغيير؟ تراجع مستوى رونالدو يفتح باب الجدل في النصر    الهلال يطرق أبواب المواهب الكونغولية    مركز الملك عبدالعزيز الحضاري ينظم جلسة حوارية بأمانة عسير    موسم البرق الأحمر يقترب مع تزايد العواصف الرعدية    ولي العهد يلتقي رئيس الاتحاد السويسري    استشهاد فلسطيني في قصف على قطاع غزة    أمير منطقة جازان يستقبل الرئيس التنفيذي للشركة السعودية للقهوة    الأمير محمد بن عبدالعزيز يدشن "قافلة التنمية الرقمية" لتعزيز الوصول إلى الخدمات الإلكترونية بمحافظات منطقة جازان    أمير منطقة جازان يضع حجر الأساس لمركز أمراض الدم الوراثية    انفاذا لتوجيهات القيادة.. بدء عملية فصل التوأم الملتصق الفلبيني كليا وموريس آن    استقرار أسعار الذهب    دول الخليج.. مواقف تُدرس    حمدالله: جاهزون لحصد اللقب    النصر يسحق الأهلي القطري.. ويصل نهائي آسيا 2    زكري: ثقتي كبيرة في اللاعبين    تعليم المدينة يختتم فعالية «مستقبلي في روضتي»    إنقاذ حياة طالب اختنق بنقود معدنية    أمير القصيم يرأس عمومية «دمي».. ويدشّن عربة التبرع للفصائل النادرة    ترمب مدّد وقف النار: إيران على وشك الانهيار    «الترفيه» وموسم الرياض يطلقان تصوير فيلم «عو»    18 ألف طالب في الأحساء يشاركون ب «يوم التراث»    المُسعف الصحي.. دور حاسم في إنقاذ حياة المرضى    «طبية الداخلية» تدشّن تصحيح النظر بالليزك    نشر أسرار الطلاق.. تشهير يعاقب عليه النظام    "الوزاري العربي" يدين الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج والأردن والعراق    «صندوق الاستثمارات العامة» مستثمر رئيس في «ستيت ستريت الجديد» للمؤشرات المتداولة    نهضة المرأة في السعودية    متخصص في جراحة السمنة: 45 % من سكان المملكة مصابون بزيادة الوزن    الوثائق لها قوة الإثبات وتعد سنداً تنفيذياً.. العدل: لا يمكن التراجع عن الوقف بعد قبول طلب توثيقه    السبيعي يحتفي بالسفراء    وزير الدفاع ونظيره الإيطالي يستعرضان تطوير الشراكة العسكرية    موجز    وسط ترتيبات لمحادثات واشنطن.. عون: بيروت تتحرك لتمديد الهدنة مع إسرائيل    تثير المخاوف من تجاوز المؤسسات.. مبادرة «اللجنة المصغرة» تربك المشهد الليبي    بمشاركة 100 متسابق يمثلون 53 دولة أفريقية.. خادم الحرمين يوافق على إقامة مسابقة القرآن بالسنغال    أحمد العوضي يستعد لسباق رمضان ب«سلطان الديب»    تدشين «كرسي الكتاب العربي»    في الجولة ال 29 من دوري روشن.. ديربي قصيمي يجمع النجمة والتعاون.. وقمة شرقاوية بين الفتح والخليج    الرابط بين ريال مدريد والأهلي    إطلاق الخطة التشغيلية.. رئاسة الحرمين: توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الحجاج    وصول أولى رحلات «طريق مكة» إلى المدينة المنورة    بدء إيداع أرباح الأوقاف عن العام 2025    أكدت أن الأمن الغذائي مستقر.. طهران تقلل من آثار الحصار البحري    رئيس الاتحاد السويسري يصل إلى جدة    أمير الرياض يرعى حفل تخريج الدفعة ال17 من طلاب جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز    مركز الملك سلمان يوزع سلالاً غذائية ب 3 دول.. اتفاقية لتمكين النازحين واللاجئين في النيجر    أفلت من الموت 9 مرات.. وفي النهاية حفر قبره بيديه    مُحافظ الطائف يطّلع على جاهزية القطاعات الصحية لخدمة ضيوف الرحمن    واشنطن تمدد وقف إطلاق النار ليلا وطهران تشعل هرمز صباحا    الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بنجران في زيارة لمدير عام تعليم منطقة نجران    حياة الفهد قصة نجاح ألهمت الأمهات.. وداعا سيدة الشاشة الخليجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التطبيع : كلمة زائفة أخرى من قاموس الهزائم العربية
نشر في الحياة يوم 14 - 03 - 2000

إذا سلّمنا بأن غياب العقل النقدي، والعجز بالتالي عن الارتقاء إلى مستوى ثقافة الاسئلة في مجتمع ما، ينتج عنه مغادرة الفكر للواقع، والغرق في العقم الايديولوجي وفقدان المناعة ضد خداع الذات، والتمترس داخل قواقع اليقين البالية في مواجهة المتغيرات والوقائع الجديدة، وحينئذ تتلبس الأفكار ملامح وسلوكيات الغرائز، وتلجأ الى مراوغات اللغة وتلوناتها لإخفاء ضعف العقل، وعلاج "الجروح النرجسية" التعبير لجورج طرابيشي، إذا سلّمنا بذلك، سنجد أن العقل العربي الرسمي والسائد هو حالة واضحة لكل ذلك الى درجة البؤس. وإذا عرضنا المفاهيم والشعارات العربية طوال نصف قرن في مواجهة إسرائيل والى الآن، سيتأكد ذلك من دون أي التباس، أي منذ "إسرائيل المزعومة"، ولافتة الكنيست المُختلقة "من الفرات الى النيل تمتد أرض إسرائيل"، وبروتوكولات حكماء صهيون "السرية" لحكم العالم ثبت أنها من تلفيق اغناتيف وزير داخلية روسيا القيصرية إبان اغتيال القيصر الكسندر الثاني وخلال "تطهير" أراضي روسيا "المقدسة" من اليهود والألمان، ثم "أعوان الرجعية والاستعمار"، و"سنهزم إسرائيل ومن وراء إسرائيل"، و"ما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة"، و"تحرير كامل التراب الفلسطيني من النهر إلى البحر"، ولاءات الخرطوم الثلاث، و"مرحلة الردع"، و"جبهة الصمود والتصدي"، وصولاً إلى "السلام خيار استراتيجي"، "التضامن العربي"، "حشد الطاقات"، ومبتكرات الوعي الزائف التي لا تتوقف، وعادة الحرب الإعلامية ضد إسرائيل مستمرة عبر الإعلام المرئي والمسموع والمقروء.
لكن ثمة ما هو حقيقي في ظل كل ذلك وهو ضياع الحرية والحقيقة، وتأسيس جمهوريات الخوف والاستتباع التي تقودها نماذج ما دون الحد الأدنى، التي هُزمت في معارك الحرب والسلم على السواء، وانكشفت المواجهة مع إسرائيل عن هزيمة حضارية شاملة للعرب، وفي كل الجوانب من دون استثناء، ورغم كل ذلك، ومع فقدان كامل لشرف الاعتراف بالهزيمة، لم يكف ذلك العقل عن طريق أداته الأولى بلا منازع وهي المثقف الرسمي وأجهزة الدعاية الباهظة الكلفة عن تغذية قاموس الهزائم بالمزيد من المفاهيم والشعارات الزائفة، من دون كلل أو ملل، ناهيك عن الفضائحية والتشهير بإسرائيل للاستهلاك المحلي مثل: التآمر على خصوبة العرب! وتزوير القرآن، واللبان العلكة الجنسي، والبذور والأسمدة المشعة، والتسبب في الزلازل، والتسبب في سحابة التلوث فوق القاهرة، ونقل الإيدز وأخيراً وليس وليس آخراً التسبب في مأساتي الكشح 1998 و2000، والحبل على الجرار في تراكم مفاهيم الحشد والتعبئة الزائفة ذات الأهداف الملتوية، وفي تدليل واضح على انهيار الإدراك العام "وتحطم العقل" التعبير لحازم صاغية، والانصراف عن المواجهة الأصلية وهي معركة السلام، غير أن ما يعنينا هنا هو آخر حلقات تلك السلسلة غير الذهبية وهي الكلمة / الاتهام وأعني بها كلمة "التطبيع".
شُرعت تلك الكلمة أولا في مصر، أول من وقع اتفاقات الهدنة في حرب 1948، وأول من وقع اتفاقات السلام في نهاية السبعينات.
وردت عبارة علاقات عادية أو طبيعية NORMAL RELATIONS في الفقرة الأخيرة من الوثيقة الثانية من اتفاقات كامب ديفيد الموقعة في 17 أيلول سبتمبر سنة 1978. كما وردت في الملحق الثالث، وفي البروتوكول في شأن علاقات مصر وإسرائيل في معاهدة السلام الموقعة في 26 آذار مارس 1979، وكان المقصود إنهاء حال المقاطعة التي انتهت بقرار رسمي بقانون في شباط فبراير 1980، وكانت المقاطعة يحكمها القانون 506 الصادر في 1955 وتشمل كل أوجه العلاقات، وبشكل جامع مانع.
وعندما كان الرئيس السادات يعتبر زيارة إسرائيل رصيداً سياسياً، سافر معه وبعده الكثير من الصحافيين ورؤساء التحرير ورجال الثقافة والفكر والفن.
وعندما تغير الموقف واعتبر الرئيس مبارك زيارة إسرائيل ورقة سياسية، امتنعوا عن زيارة إسرائيل، ثم ترددت تلك الكلمة "تطبيع" المسكوكة مثل كل شعارات الفاشية على شكل اتهام سريع وحاسم، وفي الوقت نفسه ملتبس وغامض، وليس له معنى محدد، ومنقطع الصلة بالعبارة الأصلية، وليس له تصنيف يحدد ما يطبق وما لا يطبق عليه، وهو بالقطع لم يطبق على السياسيين والديبلوماسيين والعسكريين، ولا على رجال البنوك، ولم يوجه الى العديد من الصحافيين ورؤساء التحرير ورؤساء مجالس إدارات الصحف القومية ومنهم من أصبح نقيباً للصحافيين، لكنها أطلقت على الكاتب المسرحي علي سالم والمطرب مدحت صالح والمخرج السينمائي الراحل حسام الدين مصطفى. ولاپبد أن يثور هنا تساؤل: هل لأن المجموعة الأخيرة ليست من الصحافيين، أي ليست لهم أنياب ترد الصاع صاعين، وبذلك هم أهداف سهلة على شاكلة ضحايا الإرهاب في الجزائر؟ أم لأن أغلب "الزوار" قبلهم من الصحف "القومية" أي يعملون لدى الدولة؟ وفي اعتقادي أن هذا النوع من الاسئلة لا ينتظر إجابات.
وإذا تناولنا الجوانب الأخرى من قضية "التطبيع" أو بمعنى أدق العلاقات بين مصر وإسرائيل سنجد الآتي:
- عدد الليالي السياحية الإسرائيلية في مصر خلال العام 1996 فقط هو 5،1 مليون ليلة تقريباً، وعدد السياح 321 ألف سائح، وتأتي إسرائيل الدولة الرابعة سياحيا في مصر قبل فرنسا، وقبل أي بلد عربي.
- إسرائيل مستورد رئيسي للبترول المصري وهو يمثل 30 في المئة من مجموع استهلاكها البترولي.
- تشارك إسرائيل في العديد من المشاريع في مصر وأهمها حصة 20 في المئة من مجمع البتروكيماويات في الاسكندرية بكلفة كلية 2،1 بليون دولار، ويشارك مواطنون إسرائيليون في العديد من المشاريع أهمها حصة 49 في المئة من مصنع "دلتا" للملابس الداخلية وهو أكبر مصنع من نوعه ويعمل فيه أكثر من 3 آلاف عامل وموظف.
- عدد الزيجات المختلطة بين شبان مصريين وفتيات إسرائيليات 1039 حالة حتى نهاية 1996.
- عدد الشباب المصري الذي يعمل في إسرائيل سنويا يتراوح ما بين 10 آلاف إلى 20 ألفاً، وأفادت مذكرة تلقتها وزارة الخارجية المصرية من شعبة شركات العمالة المصرية في الخارج، والتابعة لاتحاد الغرف التجارية المصري أن عدد الشباب الذين توجهوا للعمل في إسرائيل سنة 1995 فقط وصل الى 14 ألف شاب.
- تستورد مصر الفواكه والملابس والأدوات الصحية والسيراميك والمبيدات والبذور والتكنولوجيا والمعلومات في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الزراعية.
- تخرج ستمئة باحث مصري وتدربوا في إسرائيل في المجالات الزراعية والكيمياء الحيوية حتى 1996.
- تم توقيع اتفاق تجاري ينظم العلاقات بين مصر وإسرائيل بدأ سريانه في أيار مايو 1981 ويقضي بتطبيق شروط الدولة الأجدر بالرعاية.
- تتذبذب إسرائيل ما بين المرتبة الأولى والثالثة في تعاملات مصر التجارية بما فيها البترول، متنافسة في ذلك مع أكبر الدول العربية في التعاملات التجارية مع مصر.
- من اللافت أن صادرات مصر إلى إسرائيل زادت ابان فترة حكم نتانياهو، وهي نفسها فترة الفتور السياسي بينهما، وذلك يخفي مُعامِلاً جديداً في تلك العلاقة وهو عدم تأثر الاقتصاد بالسياسة بينما الارتباط وثيق بين الدعاية والسياسة.
- طوال 27 سنة منذ حرب تشرين الأول اكتوبر 1973 لم يحدث صدام مسلح أو تهديد باستعمال القوة بين مصر و"جارتها" إسرائيل، في حين أنه حدث صدام مسلح مع "جارتها" العربيتين ليبيا والسودان.
- يعمل الخبراء الإسرائيليون في المعامل والمزارع في مناطق عدة في مصر، ولهم ثلاث مزارع ضخمة في العامرية والمنوفية وطريق القاهرة - الاسكندرية الصحراوي.
- تطير طائرات تابعة لشركة "مصر للطيران" إلى إسرائيل في رحلات منتظمة تحت اسم "اير سينا"، والشيء نفسه تقوم به شركة "العال" الإسرائيلية.
- توجد شركة باص للنقل البري بين البلدين وهي مساهمة مشتركة بينهما.
- يدخل الإسرائيليون الى مناطق واسعة من سيناء بالهوية الشخصية من دون فيزا ومن دون جواز سفر ولمدة اسبوعين، وهو ما لا يحق لحاملي كل الجنسيات العربية.
- لإسرائيل مركز أكاديمي يتردد عليه الطلاب الباحثون في القاهرة منذ سنة 1982، ويعمل فيه 3 إسرائيليين و5 مصريين، وتلقى فيه المحاضرات بالعبرية والإنكليزية والعربية بصفة أسبوعية، ولا يقل عدد البحوث والدراسات المشتركة في غير المجالات السياسية عن 2500 بحثاً ودراسة حتى نهاية 1996.
- تنتشر شرائط الكاسيت للأغاني الإسرائيلة داخل مصر، وأشهرها لمغنية اسمها عزيزة سلطان.
- الترتيبات العسكرية في سيناء والمياه الاقليمية حولها وفي غرب القناة جواً وبراً تعطي لإسرائيل عمقاً استراتيجياً حاسماً.
- لإسرائيل سفارة في القاهرة وقنصلية في الاسكندرية، ولمصر سفارة في تل أبيب وقنصلية في إيلات.
- تم توقيع اتفاقية لتوريد الغاز من مصر إلى إسرائيل في نهاية 1999 مدتها 20 سنة تتضمن إنشاء خط لأنابيب الغاز عبر سيناء، بعد منافسة شديدة مع قطر، وتسمح الاتفاقية من الناحية العملية لإسرائيل بتسويق الغاز المصري مستقبلاً إلى كل من لبنان وسورية وتركيا، وتتلكأ إسرائيل في تنفيذ الاتفاقية انتظاراً لتقويم الاكتشافات الغازية في صحراء النقب.
- طبقاً للاتفاقات يوجد تعاون أمني بين مصر وإسرائيل، وذلك يذكّر بأنه عند وجود الشيخ أحمد ياسين في السودان بعد زيارته ايران لم توافق مصر على منحه تأشيرة دخول إلا بعد تأكيدات إسرائيلية بالسماح له بدخول غزة.
- بعد التحكيم الدولي الخاص بمنطقة طابا لمصلحة مصر، تعتبر الحدود الحالية بين مصر وإسرائيل هي الحدود المستقرة والنهائية والمعترف بها بين الطرفين، رغم أن لمصر مناطق داخل إسرائيل مثل قرية أم الرشراش التي أصبحت جزءاً من ميناء إيلات، في حين أن الحدود بين مصر والسودان غير مستقرة وليست نهائية.
وهكذا لم يتبق لتطبيق الكلمة الاتهام سوى المجال الثقافي، ومجال المعلومات والوثائق، أي مجال المعرفة والإبداع وبالتالي مجال المقارنة بين ما حدث هناك وما حدث هنا، ومعرفة لماذا انتصرت إسرائيل ولماذا هزمنا، والتفاصيل الدقيقة الموثقة لكل ذلك. وقبل أن نتوغل في تحليل قضية "التطبيع" اضيف بعداً آخر أعتقد أنه مهم وهو رأي بنيامين نتانياهو في المثقفين والكتاب الإسرائيليين أورده في كتابه "مكان بين الأمم": "... تحولت الرغبة في التخلص من المناطق يقصد الضفة والقطاع الى ما يشبه المسلمات لدى المفكرين الأخلاقيين والمثقفين لا يجوز معارضتها، ولتحقيق هذا الهدف الانسحاب تجند عدد من الكتاب والمسرحيين والمحاضرين والصحافيين المعروفين في الدولة، وفي سبيل ذلك كانوا على استعداد لتجاهل المؤشرات الانذارية كافة التي تؤكد أن منظمة التحرير وشركاءها لم يتنازلوا قيد أنملة عن خطتهم لإبادة إسرائيل...". إنه الحب المفقود بين الفاشية والثقافة، وهو نفسه موقف النازية من المثقفين الأحرار حين بدأت بحرق الكتب في سنة 1933، وبعدها هاجر توماس مان ووالتر بنيامين وانا سيريل وحنه أرندت والبرت اينشتاين والعديد من مفكري وكتاب المانيا. وهو الموقف نفسه الذي اتخذه العديد من الكتاب والمفكرين والمبدعين من الفاشية الاسبانية والبربرية السوفياتية والموقف نفسه نرى تطبيقاً حديثاً له في إسرائيل، إذ وقف كتابها الكبار ضد اليمين القومي والديني العنصري مثل ديفيد غروسمان مؤلف "ابتسامة الجدي" و"ريح أصفر" وعاموس عوز في رواية "ميخائيل يا حبيبي"، واليف بيت يهوشواع في قصة "في مواجهة الغابات" و"صيف 70"، حيث تفيض أعمالهم بقيم إنسانية رفيعة، والاعتراف بالحق الفلسطيني، والعداء للأسس الاسطورية للصهيونية ولفكرة إسرائيل الكبرى، كما أن الادب العبري ذا الوجدان العربي الذي أبدعه اليهود العرب الذين دفعتهم الفاشية الى الهجرة من العالم العربي، هذا الأدب يصعب حصره، ومنه على سبيل المثال "صيف الاسكندرية" للروائي المصري الراحل إسحاق جارمازانو، "ميشيل عزرا سيفرا وأولاده"، عن دمشق لحاييم هزاز، و"فكتوريا"، "وداعاً بغداد"، "نذر الخريف" عن العراق لكل من سامي ميخائيل وايلي عامير وشمعون بلاص، والشيء نفسه عن اليمن والمغرب والعديد من الدول العربية الأخرى، حتى أن المرء يحار في توصيف ذلك الأدب. كما أن الدراسات الإسرائيلية عن الأدب العربي غزيرة وحيوية، ومنها دراسات ساسون سوميخ عن يوسف إدريس ونجيب محفوظ، وكانت دراساته المترجمة الى لغات عدة إحدى وثائق استحقاق محفوظ جائزة نوبل.
وبالإضافة الى ذلك هناك التعبير السياسي لهؤلاء الكتاب في حركات السلام واحزاب اليسار وروابط الحوار والنقابات المشتركة وكتلة السلام التي أسسها أوري افنيري، وفاليسا لانجير محامية "العربي" هذا الضمير الذي يسير على قدمين، والتي أوحت الى المخرج كوستا غافراس بفيلم "حنا ك"، والجميلة ليا تسيميل محامية الانتفاضة وزملاؤها من المناضلين اليهود والعرب في "مركز المعلومات البديلة". وبعضنا يذكر تظاهرات الاحتجاج الوحيدة في الشرق الأوسط التي اندلعت في تل أبيب والقدس وسار فيها مئات الألوف احتجاجاً على غزو لبنان ومجازر صبرا وشاتيلا، ونجحت في تقديم وزير الدفاع شارون ورئيس الأركان إيتان الى المحاكمة، وانتهت الى اسقاط حكومة بيغن اليمينية، ناهيك عما تمثله الأطراف السياسية والثقافية غير المقيدة للعرب في إسرائيل من ارصدة وجسور للسلام، بعد أن تم تخويفهم ومقاطعتهم ضمن سياسة التبديد وفنون صناعة الأعداء التي مارستها القوى الفاشية العربية. وهنا تبدأ الأسئلة الحرجة، اذ ألا تفيدنا تلك الابداعات والمواقف السياسية في معركة السلام؟
والشيء نفسه يمكن تطبيقه على فضاء المعلومات والوثائق في إسرائيل، وفي هذا السياق تترى أعمال المؤرخين الجدد التي تعتبر قراءة أخرى للصراع وللتاريخ الصهيوني، ونشر خرائط 400 قرية عربية تمت إزالتها عند إنشاء الدولة، وما أعلن عن مجزرة قرية طنطورة الفلسطينية، وكل ذلك غائب أو ناقص في الوثائق العربية، وكان قتل الأسرى المصريين وشيخوخة نظام الأمان في مفاعل ديمونة النووي قد أعلن عنهما في إسرائيل. وتضيف القرارات الأخيرة لوزير التعليم يوسي ساريد بإحياء ذكرى مذبحة كفر قاسم في الكتب المقررة لتلاميذ المدارس الإسرائيلية، ومحاولته تدريس الأدب الفلسطيني، بما فيه الأدب القومي ومنه قصائد محمود درويش، وكذلك أعمال الأدباء من اليهود العرب للمرة الأولى.
إن كل ما سبق هو جزء من القراءة العبرية للصراع، وقبل ذلك هو جسور حقيقية من أجل السلام العادل والتعاون الاقليمي وإرساء أسس التسوية التاريخية والثقافية بعد مرحلة التسوية الجغرافية. ولكل ذلك فإن عزل إسرائيل عن الاقليم العربي هو مطلب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية واليمين القومي والديني ونتانياهو وباراك أيضاً، ويحين السؤال الحرج الثاني عن المستفيد على الجانب العربي الى جوار اليمين العنصري في إسرائيل، من غياب تلك الجسور وتلك القراءة عن العقل العربي؟
واخيراً تمنح الاتفاقية بين مصر وإسرائيل الحق للطرفين لإقامة مركز اكاديمي كل لدى الآخر، واستغلت إسرائيل هذا الحق "طبعاً" منذ 1982 ولم تنفذه مصر. ومرة أخرى من المستفيد من إبعاد العقل المصري والعربي عن دراسة المجتمع الإسرائيلي؟ وهكذا يتم إبعاده عن معركة السلام كما أبعد عن معارك الحرب من قبل، وتستمر بالتالي مفاهيم الحشد والتعبئة الفاشلة التي حصرت مرحلة المواجهة لأربعة عقود ونيف في حدود الحسم العسكري، وها هي تكرر الفشل بحصر مرحلة السلام في حدود الأمن، وإبعاد العقل المدني عن التفاعل. إن المستفيدين الى جانب اليمين العنصري في إسرائيل هم، من الجانب العربي، أعداء الديموقراطية والفاشيون الذين يطوقون كل إمكانية للحاور بين القوى المدنية الديموقراطية العربية وبين أنصار السلام المعادين لقوى الحرب والتوسع في إسرائيل، مخافة أن يتحول التطويق الى الاتجاه المعاكس.
والتطبيع هو الشفرة الجديدة بين أطراف ذلك الحلف القديم غير المباشر بين الفاشية على الجانبين، ذلك الحلف غير المقدس الذي قاد الصراع لنصف قرن حتى الآن، ودفعت الشعوب العربية فيه فاتورة الخسائر وحدها إذ ضاع عليها قرن التحرر والتحديث، وحُذف العمل السياسي والثقافة الحرة من العقل العربي وحل محلهما التعصب والديماغوجيا وفن صناعة الأعداء، في ظل شعارين صُنعا من الزيف والأوهام ارتفعا على الجانبين وتبادلا المبررات والشرعية وهما "إزالة إسرائيل" و"إسرائيل الكبرى"، وما زالا يعملان على قدم وساق من أجل استمرار الخسائر العربية والحرب إلى الأبد.
وهكذا يمكن معرفة أين سُكت تلك الكلمة / الاتهام التي تركت حرية غير مشروطة للحكومات كي تكون "على حل شعرها"، وقيدت المثقف والثقافة الحرة. إنها بالطبع من مسكوكات الثقافة الرسمية ومثقفيها الرسميين، ولا يغير من الامر شيئاً بل يؤكده أن تتبع قوى فاشية غير رسمية السبيل نفسه.
* كاتب مصري.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.