أطلق الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد اشارة ايجابية جديدة أمس على طريق معالجة الاعتراضات على بعض أوجه العلاقات اللبنانية السورية، حين أبلغ نظيره اللبناني اميل لحود "تجاوبه مع رغبته في تسليم جميع الموقوفين اللبنانيين في سورية الى السلطات اللبنانية". راجع ص4 من جهة اخرى ا ف ب ذكرت صحيفة "تشرين" الحكومية السورية أمس الاربعاء ان رجال اعمال سوريين اعربوا عن قلقهم من الاجراءات التي اتخذها أخيراً لبنان لخفض الرسوم الجمركية على سلسلة من السلع بهدف تحريك اقتصاده. وأكدت مصادر سورية مطلعة ل"الحياة" ان الرئيس بشار الاسد اصدر "قراراً قضى بتسليم جميع الموقوفين اللبنانيين الى السلطات اللبنانية"، مشيرة الى ان تسليم الموقوفين البالغ عددهم نحو 42 شخصاً استدعى "تعديلاً في بعض القوانين السورية". ولاحظت المصادر ان القرار جاء بعد اتصال بين الرئيسين الاسد واميل لحود "ما يؤكد عزم سورية على استمرار تأكيد دعمها للرئيس اللبناني، وما يدل الى ان ما ينجح مع دمشق هو الحوار وليس اسلوب الضغط واستباق الأمور والاجراءات التي تنوي الحكومة السورية القيام بها". وزادت: "ان الطريقة الوحيدة المفيدة مع الاسد هي الحوار بين المؤسسات المخولة بذلك". وكانت المصادر تشير الى بيانات وتصريحات من مسؤولين لبنانيين وشخصيات ووسائل اعلام دعت سورية الى الافراج عن المعتقلين. وأكدت ان "القرار قضى بتسليم جميع الموقوفين الى السلطات المختصة بحيث يتم التحقيق مع من كان يجري التحقيق معه ويكمل المعتقلون فترات احكامهم، ليس الافراج عنهم قبل اكمال الاحكام القضائية". وأشارت الى تشكيل لجنة فنية وأمنية مشتركة بهدف تنفيذ "قرار الرئيس الأسد". وجاء قرار الأسد وسط سلسلة لقاءات وحوارات أخذ يعقدها مع قيادات لبنانية، ومسيحية خصوصاً، لاستكشاف اسباب المواقف الضاغطة على سورية لسحب قواتها من لبنان على رغم تخفيفها حجم هذه القوات منذ نيسان ابريل الماضي. وفيما رأى الساعون على طريق دمشقبيروت ان هذه اللقاءات الانفتاحية، التي تخللتها مبادرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري حيال البطريرك الماروني نصرالله صفير، كانت تمهد لبدء معالجة الاحتقان الذي ساد في الأشهر الأخيرة بين قوى لبنانية عدة ولا سيما منها البطريركية المارونية والمعارضة المسيحية من جهة وسورية من جهة ثانية، فإن خطوة الأمس هي الأولى العملية على هذا الطريق. وكان الرئيس السوري أبلغ بعض الشخصيات اللبنانية التي التقاها الأسبوع الماضي، في سياق لقاءاته المتواصلة، ان سورية لن تبقي أي موقوف لبناني لديها، وبالتالي ليس من مصلحتها تركهم في سجونها خصوصاً أنها سبقت أن أقرت بوجود موقوفين يخضعون لأحكام القضاء السوري بصرف النظر عن الجريمة التي ارتكبوها. وفيما لقي اعلان المكتب الاعلامي للرئيس لحود عن قرار الرئيس الأسد، ردود فعل عدة، واعتبره مجلس المطارنة الموارنة "مبادرة مشكورة" ووجد فيه مجلس الوزراء اللبناني على لسان وزير الاعلام غازي العريضي "قراراً يعبر عن رغبة سورية في التعاطي الايجابي مع الدولة اللبنانية"، رأت مصادر مسيحية مقربة من البطريركية المارونية ان المبادرة "اعلان نية لمواصلة الانفتاح في اتجاه المعترضين على ما يشوب العلاقات الثنائية من شوائب والغاء لمادة تعبئة مجانية ضد سورية في لبنان والوسط المسيحي". وإذ كلف مجلس الوزراء اللبناني لجنة قضائية أمنية متابعة اجراءات تسلم هؤلاء الموقوفين وبدأت دمشق تدابيرها في هذا الصدد، فإن عدد هؤلاء بقي أمس يخضع لأخذ ورد. وبينما تضم لائحة "لجنة أهالي المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية" التي نشطت اخيراً 270 اسماً، فان القيمين عليها يقرّون بأن الرقم "يحتاج الى تعديل لأن بعض الموقوفين افرج عنهم الصيف الماضي من حركة التوحيد، بمبادرة من وزير الاشغال نجيب ميقاتي، وربما يكون اضيف الى الموقوفين أناس جدد". وتحدثت قيادات لبنانية زارت دمشق في الأسابيع الماضية عن وجود 48 موقوفاً لبنانياً، مشيرة الى "ان بينهم من قاموا بعمليات ضد الجيش السوري سابقاً وقتلوا جنوداً وضباطاً، يشملهم قرار التسليم اذ لن يبقى أي موقوف في سورية". أما بيان الرئاسة اللبنانية فأشار إلى أن اسماء عدة متداولة ليست قيد التوقيف في سورية. ونصحت مراجع لبنانية رسمية بعدم الدخول في اعداد الموقوفين، في انتظار تعدادهم النهائي من اللجنة اللبنانية السورية، خصوصاً انه كان اخلي 121 في عهد الرئيس السابق الياس الهراوي. وقالت هذه المراجع العليا ل"الحياة" ان "هذا ملف كبير سحب من التداول وسيقفل. وهناك متضررون سيسعون الى التشكيك في الخطوة". وبين الموقوفين عسكريون شاركوا في القتال ضد الجيش السوري اثناء دخول الجيشين اللبناني والسوري الى قصر بعبدا العام 1990 ل"إنهاء تمرد" العماد ميشال عون على السلطة بعد اتفاق الطائف. وذكر أحد القياديين المسيحيين الساعين الى الحوار بين المراجع المسيحية ودمشق ان الخطوة "احد الاجراءات العملية التي تترجم عبر المؤسسات الرسمية بين البلدين وتكرس الاحترام السوري لموقع الرئاسة الأولى، في شكل يزيل أي لبس في العلاقة بين الدولتين عبر اعطاء صدقية لما يربط الرئاستين السورية واللبنانية". وكان موضوع المعتقلين في سورية مدار بحث خلال زيارة بري للبطريرك صفير قبل اسبوعين، إذ وعد بكشف مصير هؤلاء خلال شهر ونصف الشهر. ورفض بري التعليق على خطوة الأمس لكن مصادره اعتبرتها ايجابية جداً. واكد مصدر رسمي لبناني ان اللجنة القضائىة الأمنية ستجتمع اليوم لبدء اجراءات تسلم الموقوفين في سورية. وأمل المصدر بأن يتم التسليم خلال اسبوع وان النية تتجه لإنهاء الموضوع في سرعة وعدم ابقاء أي من الموقوفين في السجون السورية "لأن هناك افرقاء يسعون الى الايحاء بأن بعض من قضى خلال الحرب اللبنانية أو اختفائه موجود لدى السوريين". قلق سوري من خفض الرسوم وكتبت صحيفة "تشرين" ان رجال اعمال سوريين "ابدوا تخوفاً كبيراً من قانون الجمارك الجديد المتوقع صدوره قريباً في لبنان" معتبرين انه سيؤثر على وضع السلع والمنتجات السورية لجهة تكلفتها وتعرضها للمنافسة". واضافت ان "الاهم من ذلك هو عودة عمليات التهريب بين البلدين. إذ سيستغل البعض فارق الاسعار الكبير بين البلدين لتهريب العديد من المنتجات والسلع ذات الرسوم المرتفعة لدينا او تلك الممنوع استيرادها". ووقع لبنان وسورية اتفاقاً دخل حيز التنفيذ في كانون الثاني يناير 1999 ينص على خفض الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية السورية واللبنانية ب 25$ وعلى الغائها كليا بعد اربع سنوات. وتعاني السوق السورية منذ سنوات من نقص في السيولة الامر الذي ادى الى ركود اقتصادي في البلاد. وكانت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة رفيق الحريري قررت في 29 تشرين الثاني نوفمبر خفضاً كبيراً للرسوم الجمركية على غالبية السلع المستوردة لتشجيع اقتصاد لبنان.