كان ذلك أسوأ ما يمكن ان يحدث لايران في ذلك الحين. قبل فترة من هذا كان يبدو للايرانيين ان الحرب بعيدة عنهم. قد يكون ثمة صراع من حولهم، وقد تظهر اطماع الدول الكبرى بشكل واضح، لكن الحرب في حد ذاتها كانت على مسافة كبيرة من حدود ايران. ولكن خلال الاسبوع الثاني من شهر آب اغسطس 1941، حدث ان بدأت القوات الألمانية غزو روسيا، اذ قرر هتلر، من طرف واحد، ان يضع نهاية للميثاق السوفياتي - الألماني الذي عرف باسم ميثاق ستالين - ريبنتروب. وهكذا صارت الحرب على مقربة من ايران. وصار على طهران ان تختار المعسكر الذي ستقف معه. كانت قوة ايران، رغم علاقاتها مع بريطانيا العظمى، تكمن في قدرتها على سلوك درب الحياد بين الدول المتصارعة في تلك الحرب العالمية الثانية. ولكن في يوم 16 من ذلك الشهر، ابلغ الألمان طهران، وللمرة الرابعة خلال شهر ونصف انه بات عليها ان تختار. وهكذا وجدت السلطات الايرانية نفسها في مأزق لا تحسد عليه. في البداية حاولت طهران ان تتحجج امام الالمان بأنها دولة اختارت الحياد ومصرة على مواصلة طريقه. ولكن ايرادن في الحقيقة، لم تكن تملك القوة الاقتصادية او العسكرية او حتى السكانية التي تمكنها من ان تبقى على موقفها المحايد. لا سيما وان السوفيات الموجودين الى الشمال من ايران، والانكليز المرابطين في جنوبها، كانوا بدورهم يمارسون ضغوطاً كبيرة في سبيل دفع طهران الى خوض الحرب الى جانبهم، والتخلي عن الحياد. وفي الوقت الذي وقفت فيه السلطات الايرانية حائرة، بين جذب من هنا وتهديد من هناك، بات واضحاً ان الحياد صار خرافة قديمة. وان ايران، ان لم تختر المعسكر بنفسها سوف تجبر على الاختيار. وفي لندن اعلن السوفيات، على لسان سفيرهم في العاصمة البريطانية انهم باتوا على اتم الاستعداد لغزو الأراضي الايرانية من الشمال. ومن جهتها كانت الحكومة البريطانية تدرس امكانية غزو الأراضي الايرانية انطلاقاً من الجنوب والجنوب الغربي. ولقد تواكب ذلك كله مع حملة صحافية عنيفة كانت وسيلتها صحف القاهرة ثم صحف بيروت، وكلها تندد بإيران بسبب غموض موقفها وترددها دون مساندة الحلفاء. وكانت الحملة تقول ان هذا الموقف لا يمكن القبول به، وانه - في نهاية الأمر - يعبر عن ميول نازية لدى المسؤولين الايرانيين. وعندما اشتدت الحملة، وبات من الواضح ان التهديدات الانكليزية - السوفياتية ليست مزاحاً لم يعد امام شاه ايران، رضا، الا ان يتخذ موقفاً واضحاً. لذلك اختار حفل تخرج عدد من ضباط الكلية الحربية، لكي يلقي خطاباً طلب فيه من المتخرجين ان يتنبهوا الى الاخطار التي تحيط بوطنهم، ثم وصل الى حديث الانذار البريطاني - الروسي ليقول: "اننا امة محايدة، كنا محايدين وقررنا ان نبقى محايدين. وليعلم الذين يهددوننا ان عدد الألمان الذين يعملون في ايران يصل الى 470 شخصاً، لا اكثر، وانهم جميعاً يشتغلون في الحقول الصناعية ما يعني انهم لا يشكلون اي خطر على الحلفاء". وكان من الواضح ان رضا شاه يحاول، عبر هذا التأكيد، ان ينفي ما يردده الحلفاء من ان وجود الألمان في ايران يشكل تهديداً لهم. مهما يكن في الأمر، فإن برلين كانت اعلنت في مطلع ذلك الشهر نفسه ان رعاياها المقيمين فوق الأراضي الايرانية قد بدأوا في الرحيل. لكن السلطات السوفياتية نفت ذلك التأكيد الالماني قائلة، ان هذه الاقوال ليست اكثر من اقوال زاعمة ان اعداد الألمان في ايران كبيرة. وكانت تلك السلطات تعبر بذلك عن مخاوفها، في وقت كانت فيه المناطق السوفياتية المجاورة لايران عرضة لتهديد القوات الألمانية التي باتت على مقربة من اوديسا، مرفأ القرم، وباكو في آذربيجان. وهذا التهديد جعل الانكليز، يعتقدون ان ايران سوف تنتهي الى الوقوع في قبضة الألمان ما يفتح امام هتلر طريق غزو الهند وأفغانستان، في الوقت نفسه الذي يتمكن فيه من السيطرة على النفط الايراني ما يساعده على ربح الحرب بالضرورة. وهكذا تراكم هذا كله في ذلك اليوم من شهر اب عام 1941، ليضع عرش رضا شاه نفسه موضع الخطر، وليهيئ لذلك الغزو المشترك السوفياتي - البريطاني، الذي قطع الطريق على هتلر من ناحية، وأفقد رضا شاه عرشه لصالح ابنه محمد رضا شاه من ناحية ثانية. الصورة: رضا شاه، الحياد المستحيل بين القوى المتصارعة.