في الوقت الذي كان العالم فيه يدخل الحرب العالمية الثانية ليحترق، وفي الوقت الذي كانت اقتصاديات العالم تنهار ويقف الكون كله على كف عفريت، كانت ايران، خلال واحدة من آخر سنوات حكم رضا شاه تعيش عاماً من أعوام ازدهارها لا سابق له. فالأرقام التي اذيعت يوم الحادي والعشرين من ايلول سبتمبر 1939 في طهران، أتت لتقول ان التغيرات الجذرية التي فرضتها السلطات فرضاً على السوق، كانت هي التي سمحت بإعادة تنظيم الانتاج تنظيماً جيداً، وجعله في نهاية الأمر مربحاً. ففي ذلك اليوم أعلن ان حصة الزراعة من الدخل القومي الخام قد انخفضت من 80 الى 50 في المئة، ما يعني منطقياً ان الزراعة تخلي المكان أمام تقدم كبير في الانتاج الصناعي، ويعني بالتالي تصدعاً جدياً في طبقة كاملة في المجتمع هي طبقة الاقطاعيين المرتبطين ببعض كبار رجال الدين. فالتزايد المطرد في التصنيع أفقر تلك الطبقة وجعلها بالتالي تفرض الاحتكار الذي كانت تمارسه حتى في المجالات الحقوقية، ما شجع العديد من الفئات الاجتماعية الحديثة على الانضمام الى المشروع التحديثي الذي كان رضا شاه يحاول فرضه، وفي معظم الأحيان تيمناً بالجارة التركية ذات التجربة الكمالية المشابهة في بعض وجوهها. لم تسكت الطبقات المتضررة بالطبع، بل راحت تشن حربها المضادة، انما تحت شعارات تتعلق باستغلال البلاد وبالاستناد الى واقع ان السلطة الاقتصادية الحقيقية في البلاد هي في ايدي الانكليز. تمكن الشاه طبعاً من احتواء الحرب المضادة. لكن الاجانب، ومنهم الانكليز والاميركيون، راحوا ينفخون في النار. ولقد أتت على الفور ضغوط تحرض الشاه على ان يمتنع عن موقفه الحيادي خلال الحرب، كصورة حقيقية للصراع المعتمل داخل المجتمع الايراني. فالحال انه بعد شهر ونيف على صدور التقارير الاقتصادية المشار اليها، وقف الشاه خلال الجلسة الافتتاحية للدورة الجديدة لپ"المجلس" ليحدث النواب عن نظرته الى الأحداث التي كانت في ذلك الحين تعصف بأوروبا، أحداث الحرب العالمية الثانية، فقال: "إن هذه الحرب تحزننا، وعلى الرغم من اننا محايدون فيها ومن اننا سنبقى محايدين، فإن استمرار الصراع سيسبب لنا، ولكافة البلدان، خسائر مالية واقتصادية. من هنا فإننا نأمل في ان يعود السلام ليستتب سريعاً في العالم". وكان سبق للشاه ان عبر عن موقفه الحيادي نفسه خلال لقاء سابق له مع النواب، حيث قال انه "وسط الكابوس المخيم على العالم، من المؤكد ان خيار الحياد يزيد الحفاظ عليه صعوبة، عن خيار الانضمام الى معسكر من المعسكرات المتفائلة وخوض الحرب". ومن الواضح ان أوروبا التي كانت تدخل معمعة الحرب أكثر فأكثر كانت تضبط شاه ايران، على رغم انه خلال الشهور الأخيرة كان يبدو أكثر صموداً وقوة منه في أي وقت مضى، لكن شعبه، الذي كان يخشاه خشية كبيرة، كانت لديه أسباب تدفعه الى الخوف، والى فهم الخوف والقلق المستبدين بالشاه. صحيح ان القوات البريطانية لم تكن مرابطة في الأراضي الايرانية، لكنها ليست بعيدة جداً عنها. وايران، ذات المصالح الاقتصادية اليومية في ايران، لم يكن من شأنها ان تكون راضية كل الرضى عن ذلك الموقف الايراني المحايد، لأن الحياد، في حسابات تلك المرحلة وفي حسابات لندن بشكل أساسي، كان يعني عدم مساعدة "الحليف" الايراني أو بالتالي التحالف الموضوعي مع العدو النازي. فإذا أضفنا الى هذا ان الاتحاد السوفياتي، جار الشمال القوي، كان بدوره يعرف انه في لحظة أو في أخرى سوف يكون مجبراً على خوض الحرب بدوره، وانه لذلك السبب ايضاً لا يرضى ان تكون جارته ايران محايدة، لأن حيادها هنا ايضاً يعني الوقوف الموضوعي الى جانب المانيا. إذن، من ناحية الانكليز، كما من ناحية السوفيات، كان من الطبيعي لإيران ان تستبد بها المخاوف. من هنا، لئن كانت تقارير 21 ايلول الاقتصادية جاءت لتعطي الشاه زخماً كبيراً وتؤمن له شعبية لا شك فيها لدى قطاعات كبيرة من الشرائح الاجتماعية المستفيدة من النمو الصناعي والاقتصادي الجديد، فإن أحداث العالم الخارجي وتطلعات الانكليز والسوفيات، أتت مقابل ذلك لتنسف كل ضروب التفاؤل التي سادت لوهلة. وكانت الطبقات المتضررة هناك ايضاً لتصطلي بالنار المنفوخ عليها في موسكو وفي لندن. وفي النهاية دفع رضا شاه ثمن ذلك كله. في الصورة رضا شاه يتحدث الى ضباطه.