هل سيأتي يوم تتضحُ فيه حقيقة "الكسندر كوجيف" الفيلسوف المميّز المتخصص "بهيغل" ومحلل ظاهرة التاريخ الفرنسي الروسي الأصل الذي سبق "فرنسيس فوكوياما"؟ نشر جهاز مكافحة التجسس في فرنسا DST أخيراً خبراً يؤكد أنَّ "كوجيف" كان عميلاً في جهار KGB طيلة ثلاثين عاماً. و"من المحتمل أن يكون قد لعب دوراً مهماً في إطار العلاقات التي ربطت بين شارل إيرنو وزير الدفاع الفرنسي الأسبق والKGB. ولعل صدور كتاب "فاسيلي ميتروكين" وهو أمين المحفوظات سابقاً في الKGB أثار رائحة الفضيحة وطرح للمرة الأولى اسم "كوجيف" طعماً للرأي العام. وكنت قد توقعت ذلك إذ أنني سمعت شخصياً أحد مُخبري الDST يبلِّغ المؤرّخة "آني كريغل" أنه تم التحقق من أن "كوجيف" كان عميلاً في الKGB. وكتبت الباحثة الفرنسية دومينيك أوفريه في جريدة لوموند حول القضية تقول "كنت قد شعرت أنّ العوائق التي صادفتني أثناء أبحاثي عن ذاك المجهول الشهير كوجيف المولود في روسيا سنة 1902 - من حجب معلومات ومراقبة متواصلة لمضمون كتابي "سيرة كوجيف" - لها علاقة بالشكِّ أو باليقين اللذين يساوران أقاربه نسبةً لانتمائه الى الKGB. وقد تأكد وجود الملف إنما لا نعلم ما هو مضمونه وهذا لا يثبت ولا ينفي انتماء "كوجيف" هذا ويمكن الأجهزة أن تقنعَ أو لا تقنع دولها بأمرٍ ما ولكن الحقيقة يُثبِّتُها حكم قانوني صادر عن محكمة مستقلة. فقد سبق للاستخبارات الفرنسية أن فتحت ملفات سياسية عدة. وأظن أنه إذا جمعت وأعلنت وأثبتت بالنقد العلمي عناصر ملف "كوجيف" اليوم فيكون ذلك في غاية هادفة: فلماذا وعلى رغم مضي أكثر من ثلاثين عاماً على وفاة "كوجيف" قد تأخر جهاز الKGB في افشاء هذا الأمر حتى يومنا هذا؟". وتشير الدلائل الى أن الاستخبارات الفرنسية كانت ومنذ زمن قد تحرت عن "كوجيف" وذلك لأسباب ثلاثة أولاً كونه من أصلٍ روسي تجنَّس سنة 1937، ثانياً سمعته اليسارية الهيغلية وأنه حسب "ريمون أرون" كان يصف نفسه بأنَّه ضمير "ستالين"، ثالثاً وخاصة فقد تبوّأ "كوجيف" منذ 1945 وحتى مماته سنة 1968 مركزاً مرموقاً كمستشار لدى الحكومة في السياسة التجارية الفرنسية وأقام الكثير من العلاقات الدولية. ولا يحدّد القول أن "كوجيف" عميلاً للKGB طبيعة الدور الذي لعبه. وتضيف "أنا لا أنفي ذلك. إنما يمكنني المجازفة بتأكيد أن "كوجيف" لم يكن جاسوساً على طريقة السيدة البريطانية التي ملأت أخبارها الصحف في الأيام الأخيرة. كان "كوجيف" مستشاراً للحكومات الفرنسية وقد لعب أدقّ الأدوار وأهمها داخل مؤسسات ومنظمات دولية كالمنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي والجمعية الأوروبية للفحم والفولاذ ومؤتمر الأممالمتحدة للتجارة والتنمية والاتفاق العام للتعرفة والتجارة. أيعقل أن يكون رجل كهذا جاسوساً للروس؟ لا أجدُ معنى لهذا". كان "كوجيف" صديقاً ومستشاراً ومخططاً لقرارات أهم الشخصيات الفرنسية ك"بيرنار كلابيي" و"أوليفيي وورمز" و"ريمون بار"، ولعل كتابه "نبذة فينومينولوجية في الحقوق" يتضمن فلسفته وقد رفض نشره في حياته كي لا يكشف عن الاستراتيجية التي اعتمدها والتي شكلت خلال 20 سنة ركيزة عمله الهادف للوصول الى دولة عالمية منسجمة. وقد تنبأ أن بين "الدولة - الأمة" التي أعلنت الحرب العالمية نهايتها والدولة العالمية المنسجمة المزمع قيامها تنهض امبراطوريات منها الولاياتالمتحدة الأميركية و"الكومنولث" البريطاني وروسيا. ويعتبر "كوجيف" أن روسيا تكمل تحقيق المصير التاريخي الذي طالما حلمت به "روسيا المقدسة" والذي يشكل ستالين "قيصرها المفتش في محاكمها التفتيشية". أما أوروبا القارية الواقفة على الأنقاض الملتهبة بعد الحرب فهي لم تحقق امبراطوريتها، وسيكون "كوجيف" ممتناً للجنرال "ديغول" في ما بعد لأنه عرف كيف يعيد إحياء فكرة القومية لدى الفرنسيين وهي فكرة ترتبط بغزوٍ عالمي "لحقوق الإنسان" المنبثقة من الثورة الفرنسية والتي أضلّتها ومحتها "البيتينيّة". وتمضي أوفريه قائلة "لقد نشط "كوجيف" طيلة حياته من أجل تحقيق امبراطورية أوروبية مستقلة وذلك من خلال عمله في تأسيس السوق المشتركة والجمعية الأوروبية. وكان على غرار الجنرال "ديغول" يرفض قيام ولايات أوروبية متحدة على النحو الذي حلمَ به "جان مونيني" وكان من جهة أخرى معارضاً لتصور "تروتسكي" الدولاني ولهذيان الغرب الخائف من الاجتياح ولم يؤمن مُطلقاً بأن "ستالين" كان يهدف الى نشر السوفياتية في العالم بأسره. ان هذه الوقائع تشير الى أن "كوجيف" وان تَبُثَ أنه كان عميلاً لدى الKGB فهو لم يكن مطلقاً ذاك الخادم الدنيء المنصاع لأوامر أسياد الكرملين. واحتمال أن يكون "كوجيف" قد تعامل مع الKGB لأهداف شخصية أو ربما بالتواطؤ التام مع الحكومات الفرنسية يجب أن يؤخذ جدياً في الاعتبار وعلينا هنا أن نذكر أن عدم كشف محيطه عن "مذكرته السرية" يدعم هذا الرأي. وقد كتب "كوجيف" يقول أن في حال تحقق النصر للنازيين يتوجب التعامل معهم في هدف التحضير ضدهم لما بعد النازية. وهذا يدل على أنه لا ينقاد لسيد الظرف في ما يتعلق بالنقاش السياسي الأوروبي كما لا تُظهر أقواله وتصرفاته خلال الحرب أنه كان له أدنى علاقة بالنازيين. ويبقى "كوجيف" بعد موته ينصب الأفخاخ في محيطه .... إعداد: كريستين طيّاح