قرأت يوم أمس خبراً منشوراً في إحدى صحفنا المحلية يمكن تصنيفه تحت بند «لا يحدث إلا في السعودية». الخبر يتعلق بمجلس الشورى ويتناول عدداً من المواضيع التي تهم المواطنين. يقول الخبر: «وافق مجلس الشورى أمس الاثنين على الإسراع في وضع وتنفيذ خطة متكاملة ضمن مدة زمنية محدودة لحل مشكلة تصريف الأمطار والسيول مع التشديد على منع البناء على مجاري السيول. وأقر توصيات لجنة الإسكان والمياه والخدمات العامة المطالبة على إعداد لائحة تنظم الضوابط والآلية اللازمة لفرض رسوم سنوية على الأراضي البيضاء التي تقع ضمن النطاق العمراني واستكمال الإجراءات المطلوبة. وجاءت قرارت المجلس مشددة على تفعيل الإستراتيجية العمرانية الوطنية الصادرة قبل 11 سنة خاصة الهدف الذي ينص على «توجيه ودعم التنمية في المجالات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية للمدن المتوسطة والصغيرة ودعم وتطوير المدن الحدودية لما لها من أهمية»، ودعت قرارات الشورى إلى إيجاد الحلول المناسبة لتوفير مواقف عامة للسيارات في المدن الرئيسية لتخفيف الازدحام المروري. ولتطوير العلاقة بين المجالس البلدية ومجالس المناطق والمجالس المحلية وافق المجلس على توصية بهذا الشأن بما يخدم مصلحة الوطن وجعلها علاقة تكاملية، ودعا المجلس أيضاً إلى اتخاذ التدابير اللازمة لإشراك المرأة ناخبة في انتخابات المجالس البلدية وفقاً للضوابط الشرعية. وأكد الشورى على تطبيق الاشتراطات اللازمة في جميع المنشآت لتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من الحركة واستخدامها بيسر وسهولة، والإسراع باتخاذ الإجراءات والاستعدادات اللازمة لتطبيق كود البناء السعودي مع التأكيد على تطبيق الاشتراطات الخاصة بالمناطق المعرضة للكوارث الطبيعية مثل الزلازل والبراكين والسيول. وكان المجلس قد رفض أمس منح وزير الصحة الصلاحية في الاستثناء من شرط أن تكون ملكية المؤسسة الصحية الخاصة سعودية، وهو الطلب الذي اعتبره أعضاء في وقت سابق اختراقا للنظام وإخلالاً به، ومدخلا للفساد الإداري والمالي»... انتهى الخبر. وكما ألاحظ وتلاحظون، فقد بدئ الخبر بجملة غريبة عجيبة هي: وافق مجلس الشورى على الإسراع في وضع وتنفيذ خطة ... الخ. وجاء بعدها سبع جمل بادئة تصف بعض أعمال المجلس وهي: أولاً: أقر توصيات لجنة المياه والإسكان والخدمات العامة. ثانياً: شددت قرارات المجلس على تفعيل الاستراتيجية العمرانية ثالثاً: دعت قرارات المجلس إلى إيجاد الحلول المناسبة لتوفير مواقف عامة. رابعاً: وافق المجلس على توصية لتطوير العلاقة بين المجالس البلدية والمحلية. خامساً: أكد على تطبيق الاشتراطات اللازمة لتمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من الحركة. سادساً: الإسراع باتخاذ الإجراءات لتطبيق جود البناء. سابعاً: رفض منح وزير الصحة صلاحية معينة متعلقة بشأن طبي. مجلس الشورى السعودي يمكن وصفه إذن من خلال الجمل (الحيادية) أعلاه، بالمجلس غير المؤثر، وغير الفاعل في الحياة اليومية للمواطنين، فمن خلال الخبر المنشور أمس (وهو خبر شبيه بمئات الأخبار التي نُشرت عن أداء المجلس خلال السنوات الماضية) يتضح لي، كمواطن راصد، أن دور المجلس ينحصر في التصفيق لهذا المشروع وهز الرأس لذاك المشروع وعقد الحاجبين لهذه المشاريع والتبرم من تلك المشاريع. المجلس قادر فقط على «البت المرتبط بتوصية» على شاكلة الموافقة على الإسراع في وضع الخطط كما تقول الجملة الأولى في الخبر، والتي تحتوي بدورها على ثلاثة كوارث بيروقراطية: الموافقة والإسراع ووضع الخطط! ولا أدري كيف يستقيم الإسراع مع الموافقة؟ ولا أعرف لماذا يحتاج أمر ضروري كمشكلة تصريف السيول إلى موافقة المجلس للإسراع في وضع خطط تساعد على إيجاد حل! أبدو وكأنني أتكلم اللغة الهيروغليفية، أليس كذلك؟! أقسم أن المشكلة ليست مشكلتي وإنما مشكلة مجلس الشورى المبجل. كل الجمل البادئة في الخبر لا توحي بالوظيفة التشريعية للمجلس وإنما هي جمل زائدة، يمكن الاستغناء عنها، وبالتالي الاستغناء تماماً عن عمل المجلس، من غير أن يكون هناك أي تأثير على أداء الأجهزة الحكومية التي تُدخل أعمالها عادة للمجلس من اجل الحصول على «بركة» التوصيات والموافقات وتصفيق اليدين وهز الرؤوس! كل الجمل البادئة المشار إليها زوائد خبرية ماعدا الجملة الأخيرة التي تنص على رفض المجلس منح وزير الصحة حق الاستثناء في شان طبي معين، ومع أنني لست متأكداً من طبيعة هذا الرفض وهل سيكون فاعلاً وذا قيمة أم أنه يندرج تحت الرفض «التوصياتي» غير الملزم، إلا أن مجرد الرفض لمشروع ما، يعطي الأمل في المستقبل بأن المجلس قادر على الإجبار على تنفيذ مشروع ما. وظيفة مجلس الشورى التي أحلم بها ويحلم بها الكثير غيري من المواطنين هي الخروج بتشريعات ملزمة تنظم عمل القضايا المستجدة التي لم يسبق لها الدخول تحت مظلة اللوائح والأنظمة، ومراجعة وإعادة كتابة قوانين القضايا التي لم يرد لها تشريعات صريحة في الكتاب والسنة مثل قوانين (لا أعرف سراً وراء الإصرار على استعمال كلمة اللوائح والأنظمة بدلاً من كلمة القوانين؟!) قطع الإشارة المرورية أو قوانين منح تصاريح بناء المستشفيات الخاصة، أو قوانين أي منشط حياتي آخر هو من أمور دنيانا كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم. وظيفة مجلس الشورى الأساسية التي أحلم بها هي بناء كل سكناتنا وحركاتنا على أسس قانونية لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وضعتها في الحسبان. فمثلاً كان الأجدر بنا كأمة متحضرة ملتزمة بكتاب الله وسنة رسوله أن ندخل قيادة المرأة السيارة إلى أروقة مجلس الشورى لدراسة الأمر بما يتناسب مع طبيعة مجتمعنا وبحث العلاقة ما بين يدي المرأة ومقود السيارة والطريق ومن على الطريق، من خلال تباحث الأمر مع هيئة دينية متخصصة وإدارة المرور وإدارة الشرطة وهيئة التحقيق والإدعاء العام، ثم الخروج بتشريع برلماني يضبط هذه المسألة ويكون محترماً من كافة الجهات التنفيذية الأخرى. وغير قيادة المرأة السيارة، العديد من الإشكاليات المعاصرة، التي ما زالت تدور في فضاءاتنا من غير أن نجد حل لها لمجرد أنها غير موجودة في الكتاب أو السنة! دور مجلس الشورى يجب يتوسع ليتصدى لأمور دنيانا جميعها بحيث يفوت الفرصة على من يريد أن يكون دينياً ومدنياً في الوقت نفسه، أو مدنياً ودينياً في الوقت نفسه! * كاتب وصحافي سعودي. [email protected]