كثيراً ما تناول كتاب وروائيين عرب الحالة الاجتماعية للمجتمع السعودي، وما يدور داخله في فترات متباعدة خلال إقامتهم ومعايشتهم لكثير من الناس في أماكن مختلفة، وانتقلت الكتابة لديهم من الحالة الانطباعية إلى الحالة الإبداعية، وقدموا تصوّراتهم وفق سرد حكائي محكم أذابوا فيه التفاصيل الحياتية في كتاباتهم حتى أصبحنا نتعرف على مجتمع نراه في الحقيقة ولا نعرف عنه الكثير، ونتذكر هنا على سبيل المثال الروائي إبراهيم نصر الله في روايته «براري الحمى» ويحيى يخلف في رواية «نجران تحت الصفر» وجمال ناجي في رواية «الطريق إلى بلحارث». لكن الجديد هو ما كتبه الروائي الإريتري سليمان أدونيا في روايته الأولى «حب في جدة» الصادرة أخيراً عن منشورات الجمل، إذ استطاع خلال روايته تقديم المشهد المحلي من الخارج بكثير من الجرأة والاحتراف، وكشف غطاء المجهول عن الأفارقة الذين يعيشون بين ظهراني المجتمع الجداوي، وما يشعرون به تجاه السكان الأصليين. وأدونيا المولود في إريتريا لأم إريترية وأب إثيوبي أمضى فترة حياته المبكرة في مخيم للاجئين في السودان بعد مذبحة أم هاجار في عام 1976، ثم قُدِّر له السفر إلى مدينة جدة في السعودية وعاش فيها فترة مراهقته، كما تلقى تحصيله الدراسي الأولي في مدارسها، قبل أن يتمكن هو وأخوه صالح في العام 1990 من الحصول على اللجوء إلى المملكة المتحدة كمهاجرَين، وهناك كتب رواية «حب في جدة» التي ترجمها من الإنكليزية إلى العربية خالد الجبيلي، وفيها استعرض فترة الثمانينات الميلادية التي شهدت فيها السعودية تجاذبات كبيرة وصدامات بين تيارات فكرية مختلفة، واستطاع أدونيا أن يُخرج لنا عُصارة تجربته والتصاقه بعدد كبير من السعوديين وغيرهم من المقيمين في الأراضي السعودية. يتعرف قارئ الرواية من خلال بطلها «ناصر» كيف يمكن أن يتعايش الأفارقة مع كفلائهم؟ وما يقومون به من أعمال مضاعفة لضمان حياتهم وأمنهم المادي، وكيف أن ارتباط البطل بأمه جعله يفكر فيها دائماً ويجدّ في جمع قدر كبير من المال حتى يستطيع العودة إليها في السودان، إذ كان عليه العمل طوال يومه في مغسلة السيارات أولاً، ثم في مقهى «جاسم» في حي النزلة الذي يسكنه الأغنياء، ويقوم ناصر وأقرانه من الفقراء على خدمتهم. في هذا الحي (يقع في جنوبجدة الآن، وهجره الأغنياء للفقراء) تدور أحداث الرواية ووقائعها، وينقل لنا أدونيا في 375 صفحة فيلماً بالأبيض والأسود - كما يسميه - عن حياة الناس الاجتماعية، وعن سلوكياتهم الأخلاقية في هذه المدينة الساحلية. يقول: «في جدة الكثير من الناس الذين تمتزج أيامهم ولياليهم في رحلة طويلة من الحزن وأنا واحد من هؤلاء الناس، لكنني لم أكن أعرف أن حبي الحقيقي ينتظرني في طيات ثوب زفاف جدة، ولا بد أنني أول رجل في التاريخ يقع في حب امرأة بسبب حذائها». ثم يسرد قصة لقاء ناصر بإحدى فتيات حي النزلة، وكيف استطاعت هذه الفتاة «فيور» التي تنحدر من أصول إريترية، لأب لم يُمنح الجنسية السعودية بخلاف أمها التي هي ابنة رجل مصري، استطاعت أن تجذب إليها الفتى الوسيم الأسمر وتصنع قصة حبهما من خلال رسائلها التي تلقيها عند صندوق قمامة بعد أن يلحق بها ناصر ويلتقطها. هذه الفكرة هي التي جعلت أدونيا يقدم شكره في مقدمة روايته لفتيات الحي، لأنهن حرّضنه على الكتابة، فيقول: «للفتيات اللاتي جعلن الحب ممكناً برسائلهن السرية في ظل انعدام الحب على أرض الواقع، أقدم شكري لهن». وفي لوحة الغلاف تظهر فتاة تمسك في يدها ورقة صفراء ومن خلفها عباءة سوداء مزركشة ببعض الزهور. لقد كانت الفرصة التي منحهما إياها «هلال» صديق ناصر الشرارة الأولى في تعلق الحبِيبَين ببعضهما، قبل أن تتحول هذه الفرصة إلى لقاءات أخرى صنعتها «فيور» بنفسها وأوجدت لهما مكاناً آمناً في بيتها لمعرفتهما بوجود «السلطة الدينية» - كما يسمها أدونيا - في كل زاوية من زوايا الحي، وصّور كيف أن النساء لا يمكنهن الخروج إلى الشارع إلّا بالعباءة السوداء وبالحجاب الكامل، والويل لمن يُكتشف أمرهُ بمعاكسة فتاة أو بالنظر إليها. ويستمر ناصر في تضحياته وتنازلاته الجسدية ليحقق حلم الهرب من جدة إلى أوروبا برفقة «فيور» التي استولت على فكره وأنسته كل امرأة غيرها. لكن المؤلف يصنع لهما قدراً آخر، فيشي الصديق الآخر لناصر «جاسم» بصديقه لدى السلطات الدينية لتلقي القبض عليه ويتم جلده في ساحة القصاص، ثم يُرحّل إلى السودان تاركاً خلفه حبيبته وأحلامه المحطمة. الرواية تطرح الكثير من الأسئلة والاستعجاب عبر مواقف متعددة، وجاءت في 9 فصول، عناوينها كما يأتي: «فيلم بالأبيض والأسود»، «وحيداً في الصيف»، «الرياح التي تهب من البحر الأحمر»، «الحذاء الوردي»، «باسل»، «مرسال الغرام»، «سيارة الجيب السوداء»، «مشهد من مصر»، و«عواقب الحب». يعيش سليمان أدونيا حالياً في بريطانيا، وحصل على درجة البكالوريوس في علوم الاقتصاد من جامعة كوليدج لندن، كما حصل على الماجستير في دراسات التطوير من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، والقصة التي قدمها تعكس في واقعها مشاهد مثيرة لما تحمله هذه المدينة «الكوزموبوليتية» من أجناس وأعراق مختلفة في اللهجات والقارات، ومتنوعة في الثقافات والعادات، وهو ما يشكّل نسيجها الاجتماعي المختلف في كل حارة وممر.