شكلت مكةالمكرمة حضورًا لافتًا في الكتابات الصينية، التي تناولتها بوصفها مركزًا روحيًا وحضاريًا، ومكانًا استوقف الرحالة والمؤرخين في سياقات متعددة. ومن هذا الحضور، جاءت أمسية "السعودية في الكتابات الصينية: مكةالمكرمة نموذجًا"، التي استعرضت ملامح صورة مكة في النصوص الصينية، ضمن برامج الشريك الأدبي. وفي الأمسية، استعرض الدكتور محمد بن حسين الحارثي الشريف ملامح حضور مكة في النصوص الصينية، مستندًا إلى دراسته الحضارية التي تتبعت صورتها بوصفها مركزًا روحيًا وتجاريًا، ونقطة التقاء بين الإنسان ورحلته إلى المعنى. ويُعد الشريف مؤرخًا وباحثًا متخصصًا في تاريخ الحجاز والحضارة الإسلامية، ومن الأسماء البارزة في الدراسات التاريخية والوثائقية، إذ أسهم في تحقيق عدد من المصادر، ودرس تاريخ مكةالمكرمة والحجاز، وقدم كتبًا ودراسات محكمة أثرت البحث التاريخي العربي، إلى جانب مشاركاته العلمية في مؤتمرات وملتقيات أكاديمية محلية ودولية. وتوقفت الأمسية عند الجذور التاريخية للتواصل العربي الصيني، حيث وثقت السجلات وصول وفد عربي إلى الصين في عهد الخليفة عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، واستقباله من قبل الإمبراطور الصيني، في واحدة من أقدم صور الاتصال بين الحضارتين. كما تتابعت البعثات والسفارات في عصور لاحقة، ولا سيما خلال أسرتي تانغ ومينغ، بما عزز العلاقات التجارية والثقافية بين الجانبين. كما عكست كتابات الرحالة الصينيين صورة إنسانية لمدينة مكة، إذ وصفوا أهلها بالسلام والوقار، وتوقفوا عند تفاصيل الحياة اليومية من اللباس إلى الطقوس، مشيرين إلى التزام المجتمع بقيمه الدينية وتحريم الخمر. كذلك وثقوا مشاهداتهم للكعبة المشرفة بوصفها مركزًا تتجه إليه الأنظار، رغم ما شاب بعض تلك الكتابات من التباسات نتجت عن اختلاف الخلفيات الثقافية وتباين المرجعيات المعرفية. وفي العصور الحديثة، انتقلت هذه الصورة إلى مستوى أكثر تفصيلًا، كما في مذكرات الرحالة الصينيين عن الحج، التي رصدت المكان والشعائر والتحولات الاجتماعية والصحية، بما يعكس تطور النظرة من الانطباع العام إلى التوثيق الأقرب إلى الرصد والتحليل. وأدار الأمسية الدكتور فهد عريشي، الذي قاد الحوار في مساحة معرفية تناولت تشكل صورة مكة في الأدب الصيني، ودور النصوص في بناء جسور ثقافية تتجاوز اللغة، وتقرّب بين الشعوب عبر المعرفة والتأويل. وفي ختام الأمسية، فُتح باب المداخلات للحضور، الذين أثروا النقاش بتساؤلاتهم ومشاركاتهم، قبل أن تُختتم الفعالية بالتقاط الصور التذكارية، في مشهدٍ عكس حيوية التفاعل الثقافي، واهتمامًا متناميًا بقراءة المكان في سياقات حضارية متعددة.