كما انحاز ناشر دار الجمل للبعد التسويقي في ترجمة رواية " عواقب الحب The Consequences of Love" في نسختها العربية إلى "حب في جدة "، فإن مؤلف الرواية سليمان أدونيا انحاز إلى البعد الفضائحي في تدوين نصه الروائي. فلم يكن هذا الشاب الاريتري الطامح لتسجيل حضوره الروائي الأول بحاجة إلى حشد كل تلك المبالغات التي ترفل بها روايته وتقديم صورة مغلوطة ومبالغ فيها للقارئ الغربي عن المجتمع السعودي لأن ذهنية تسويق النص بهذه المبالغات تجعله يخسر تعاطف القارئ الموضوعي مع نص يفترض أن يصور حالة عاطفية قد تتواجد في أي زمان وفي أي مكان، فالحالة الإنسانية التي يعيشها المهاجر والنازح واللاجئ تتماثل في أطيافها في كل بلدان العالم، لكن البراعة الفنية هي من تنتصر لتدوين كتابة هذه الحالة ومنحها خصوصيتها. ولو أن مؤلف الرواية طرق باب الفن في كتابته لروايته ولم يفكر بالأبيض والأسود – كما يردد كلما جاءت سيرة المكان - لوجد أنه كتب نصا إنسانياً يحمل مزايا الكونية والخلود الزمني دون أن يشغل القارئ لنصه بما إذا كان هذا الأمر يحدث في السعودية أم لا! إذا ما تجاوزنا مبالغات الروائي في رؤيته عن المجتمع السعودي، وتوغلنا في الجانب الفني، فأننا نجد أن النص يعلو كلما جاء الهاجس فنياً في الكتابة وتتدنى فنيته كلما عمد السارد إلى تبشيع المجتمع وجعله هاجساً روائياً. لقد اختار الكاتب جدة كمسرح لأحداث الرواية، وهي أكثر المدن السعودية انفتاحاً وأكثرها تلاقحاً مع ثقافة الآخر وأكثر المدن التي تتشكل فيها الأطياف الإنسانية على مختلف الصعد، العرقية، والثقافية، وغيرها. تلك الأطياف تعيش حالة اندماجية لا يمكن إنكارها أو حتى التعالي على حضورها، لذا فجدة التي في الواقع تحمل نكهة مختلفة عن تلك المدينة التي في الرواية دون أن يعني ذلك بالضرورة ملائكية مدينة جدة الواقعية، والرسم الفني للمكان هو جزء من مصداقية الرواية، كما أن تنميط مجتمع كامل على الصورة التي كانت في الرواية جعلتها بعيدة عن الصدق الفني. لقد تعامل السارد مع بطل روايته ناصر بالكثير من المودة التي صورته صبياً مرغوباً فيه ومحبوباً، يتودد إليه الشباب ويركض خلفه الرجال وتلاحقه الأعين واللمسات بينما بدا موقفه ملائكياً إزاء ذلك فهو المتمنّع، الهارب ممن يقتفونه بشهوة وهذا يتجلى في علاقته مع أغلب رجال الرواية كالكفيل، وجاسم ، وباسل ، ورواد المقهى! ومع هذا فالسارد لم يحفل بجانب الانتهاكات الجسدية التي مورست ضد ناصر ولم يلتفت للآثار النفسية التي يمكن أن تكون قد ألقت بظلالها على نفسية شاب تعرض لتلك الممارسات، بل إنه تجاوزها وجعل من بطله شاباً ممتلئاً بالعشق والفطنة والحيوية . هذا القفز على تلك الآثار النفسية يؤكد على أن الروائي كان راغباً في إدانة المجتمع دون وعي بأن تقديم تلك الحالات الانتهاكية تحتاج، في المقابل، إلى عمق نفسي يستبصر الحالة من جميع جوانبها النفسية والفنية . أما عندما ترك الروائي مساحة للفنان في داخله كي يحمل السرد على عاتقه فقد استطاع أن يخلق علاقة غرامية بين ناصر وفيور تلك الفتاة الاريترية التي تمثل الجيل الثالث من أجيال الجالية الاريترية، وكانت علاقة باهرة من حيث رسم تفاصليها وسيناريوهاتها، فمنذ حضور الرسالة الأولى يتعلّق القارئ بالنص و يشغله السؤال: ماذا سيحدث بعد؟ ثم جاءت مرحلة الحذاء الوردي، مرحلة العشق والوله من ناصر لفتاة لم تتميز في الحي إلا بأنها ترتدي حذاءً وردياً. كانت التفاصيل في تلك العلاقة مكتوبة بحس السارد الفنان، لذا وجدنا مدى عمق ونضوج شخصية فيور وكذلك ناصر في حالة العشق وفي المقابل نجد الحضور الباهت والمفتعل لشخصيات مثل بندر عبدالله، جاسم، الشيخ الضرير، رشيد، وهادي. لقد تعامل السارد مع تلك الشخصيات بنوع من السلبية الفنية التي أسبغ عليها موقفه الشخصي وليس الفني، بينما على الروائي أن يتعامل مع شخصياته، حتى السلبية منها، بدراية وحب وتفهّم. من هنا جاء إخفاقه في رسم ملامحها وفي تقديم جانبي ضعفها وقوتها إذ بدت كل شخصياته السعودية في حالة عميقة من السلبية، فهي شخصيات شاذة ومنغلقة ولا تجيد التعامل بشكل متحضر مع الآخر، وربما الشخصية الوحيدة التي نجح في تقديمها بأبعادها الأخرى هي شخصية باسل لأنه قدمه في حالات إنسانية متضادة من الضعف والقوة كنموذج للانتهازية. أما تقديمه النموذج الطيب فقد تمثل في شخصية هلال، ذي الجنسية السودانية، إذا بدا شخصية طيبة وبسيطة على امتداد الرواية وبذلك فهو الشخصية المسطحة النقيضة لشخصية السعودي .كذلك نجده يقدم شخصية الخال في صورة الرجل المستلب لثقافة المكان ويعمد إلى تغييب شخصية الأخ الأصغر لناصر والمهادن لشخصية الخال. اللغة في الرواية كانت تحمل طابع المباشرة وبدت لغة عادية خالية من التصوير الفني ومن الشاعرية في بداية النص الروائي، لكن ما إن دخل ناصر في نوبة العشق حتى ضجّت اللغة بحمولة من الدفء الشاعري وجاءت الصورة الشعرية لتتجاور مع الوله العاطفي الذي يتقاسمه ناصر مع فيور، وهو ما سمح للسارد أن يتجلى وأن يخضّب النص بسحابات شعرية ووجدانية تتناسب مع الإيقاع العاطفي للحدث الروائي . نزعة الهجائية التي تغلبت على روح الروائي جعلته يخفق في التوصيف المنطقي لبطله ناصر وخصوصا على الجانب الاقتصادي والاجتماعي لتلك الشخصية ولو تأملنا بعض التفاصيل الصغيرة سنجد أن السارد لم يوفق في التعبير عن أبطال روايته، فمثلا نجد ناصر يسكن في شقة ويتعطل عن العمل لعدة أشهر ومع هذا فإنه يملك المال، ثم إن ناصر يمتهن غسيل السيارات وهذه المهنة لا تحقق دخلاً جيداً لمن يمارسها بحيث تجعله قادراً على دفع إيجار شقة في عمارة سكنية تتألف من عدة أدوار، كما أن ارتداء القفاز من قِبل شخصية فيور لم يكن مبرراً ، حتى وان كان الروائي يريد أن يجعل من القفاز دلالة لحالة التشدد إذ لا أجد أنه وُفق في اختيار الرمز المناسب لأن الطقس الاجتماعي في ذلك الحي الشعبي "النزلة" مغاير بشكل كبير لما قدمه الروائي في نصه. كذلك نجده يأخذ زمنا طويلا في توصيف معاناة صعوبة الوصال بين الطرفين وجعل من تبادل الرسائل تمر بتعقيدات لا حد لها . ثم فجأة تنزاح تلك التعقيدات لنرصد فيور وناصر في حالات متعددة من الحميمية لا تتناسب مع السيناريوهات المعقدة التي رسمها في بدايات العلاقة العاطفية. وهذه أيضا يؤكد أن الروائي يتناسى حبكته الفنية في ظل هاجس الهجائية .وكانت هناك إشارة إلى سطوة القراءة على شخصية ناصر وكذلك شخصية فيور ، لكن السارد لم يستثمر تلك اللقطة في بعدها الفني بحيث يمنح فضاء القراءة قدرة على صنع الفارق في تلك الشخصيتين وتحويل التوق المعرفي إلى حافز للتغيير والانتقال إلى حياة أبهج، بل كان هاجس السارد أن يتحدث عن الحالة السطحية في ملابسات إيجاد الكتاب الممنوع . أخيرا، كان بإمكان رواية "عواقب الحب" أن تنهض ببعدها الفني والإنساني وكذلك العاطفي دون الاتكاء على البعد الهجائي والفضائحي ودون التنميط وتسطيح الشخصيات، كما عمد الكاتب، فهذه أمور لا تساعد الرواية لأن تحظى بنوع من الخلود الفني. غلاف النسخة المترجمة