فرّ الرئيس التونسيّ زين العابدين بن علي، وبقي البشير رئيساً للسودان؛ نتيجتان تحملان الكثير من التناقض وكأنّ تقسيم السودان فعلٌ صغير قياساً إلى مسبّبات الانتفاضة التونسيّة التي أطاحت الرئيس. ومع أنّ الحكم على مآل التغيير التونسيّ قد لا يكون متاحاً الآن، إلا أنّ الحدث بحدّ ذاته يُعدّ استثناء عربيّاً، بينما لا يخرج الحدث السودانيّ عن مألوف الإحباط العربيّ الذي سيؤدّي إلى التأقلم السريع مع فكرة التقسيم، وربّما نسيانها سريعاً أيضاً. بل إنّ مرور حدث بأهميّة التقسيم، من دون مراجعة أو محاسبة وبلا تأثير مباشر في النظام، يكاد يخلي مسؤوليّة الأخير ويرمي الكرة في ملعب الإرادة الشعبيّة التي لم تكن متحقّقة من قبل، ويراد لها اليوم تحمّل وزر الانفصال. على العكس من موجة التفاؤل التي ولّدتها الانتفاضة التونسيّة، ربّما يكون الدرس السودانيّ في الإمساك بالسلطة هو الدرس الذي تستلهمه الأنظمة المشابهة، مع شعور بالاستياء من الرئيس التونسيّ الذي لم يتقن المهمّة حتّى النهاية؛ نهاية حياته طبعاً. أمّا التأمّل في مسار حكم بن علي ونهايته فليس بالأمر المنتظر من نظرائه، إلا من جهة محاولة تجنّب مصيره بالأدوات الاستبداديّة إيّاها. والحقّ أنّ بن علي ذاته، وهو الذي قاد انقلاباً أبيض على حكم بورقيبه، لم يتّعظ من الدرس البورقيبيّ واتّجه إلى إعادة إنتاج البطريركيّة التي برع الأخير فيها، ولكن بعد فوات أوانها التاريخيّ؛ لقد كانت الفرصة سانحة لبن علي كي يفي بوعوده التي قطعها بعد إزاحة سلفه، لو لم تكن إغراءات السلطة أعلى منها ومن التعديلات الدستوريّة الإصلاحيّة التي أتى بها، والتي ضرب بها عرض الحائط في ما بعد. قد نخطئ في ردّ نزعة التمسّك بالسلطة إلى مجرّد هوى تسلّطي لدى الزعامات العربيّة، ما دام احتكار السلطة في هذه الدول هو احتكار للثروة، بل إنّ السائد الذي بات متواضعاً عليه أن تكون السلطة مدخلاً للثروة على الضدّ من الأدبيّات السياسيّة التي ترى في السلطة تمثيلاً لتقاسم الثروة أو الاتّفاق على إعادة هيكلتها. لذا تبدو مفردة «الفساد» مستلهمة من سياق سياسيّ يضعها في مرتبة الشذوذ عن المألوف ولا ينطبق على أنظمة تقوم أصلاً على التحكّم بالثروة العامّة أو مصادرتها، وهذا الاحتكار المزدوج للسلطة والثروة يبقى مرشّحاً للاستمرار طالما لم يتم الفصل بين الاثنتين، بما أنّ توسّل السلطة هو توسّل للثروة والعكس صحيح. نظريّاً تقتضي الحصافة السياسيّة تخلّي النظم الاحتكاريّة عن جزء من «مكتسباتها» لمصلحة مشاركة اجتماعيّة أوسع، ومن المنطلق ذاته قد يكون السماح بوجود معارضة ممثَّلة في الأطر الدستوريّة مصلحةً إستراتيجيّة تعفي النظام من تبعات احتكاره الفظّ لولا الرهان القائم، والذي لا يزال ناجعاً ضمن المدى المنظور، على تجريد المجتمع من مقوّمات القوّة ومنها حريّته بالقرار ومشاركته في التصرّف بالثروة العامّة. وعلى رغم أنّ المجتمعات العربيّة لم تعد تطمح إلى العدالة، وتدنّت طموحاتها في كثير من الأحيان إلى الحدّ الأدنى للكرامة الإنسانيّة، فإنّ منطق القوّة الذي يحكم السلطة يدفع بإفقار المجتمع إلى أقصى ما يستطيع. فمعركة إضعاف المجتمع، ومن ثمّ ارتهانه للسلطة، تتطلّب إغراقه في دوّامة من الأزمات بحيث تصبح السلطة ضامناً للاستقرار، لا بوصفها مركز توازن للقوى وإنّما بوصفها قوّة قهر. أتت الانتفاضة التونسيّة مباغتة بخلاف المشهد السودانيّ الذي يؤشّر إلى تحلّل بطيء للبلد ككلّ من دون ظهور إشارات على تحرّك وطنيّ جامع يضع حدّاً للانهيار ويسعى إلى الحفاظ على ما تبقّى من الوطن، ولعلّ من سوء طالع النظام التونسيّ افتقاره إلى تعدّد مكوّنات المجتمع الذي كان سيتيح له المقامرة بإثارة النزاعات الداخليّة. ومن سوء طالعه أيضاً عدم وجود تهديد خارجيّ يمكن استغلاله لتبرير قمع الداخل، أو اتّهام المناوئين له بالارتهان إلى الخارج. وما افتقده النظام التونسيّ سيبقى من مكامن قوّة الأنظمة التي تنتعش وسط جوّ إقليميّ مضطرب، فيُستخدم التهديد الخارجي سبيلاً لتخويف المجتمع بدلاً من شدّ عصب المواطنة، ويتعدّى القمع الانقضاضَ على الاجتماع السياسيّ ليصل إلى الإجهاز على بذور الاجتماع الوطنيّ، وبذلك يوكل جزءاً من مهمّته إلى المجتمع الذي باتت مكوّناته عائقاً أمام فكرة الاجتماع. إنّ استعراض خصوصيّة الوضع التونسيّ التي ساعدت على نجاح الانتفاضة لا يعني بأيّ حال الانتقاص من عزيمة الشعب التونسيّ وما أنجزه، بقدر ما تشير هذه الخصوصيّة إلى عوائق تكرار التجربة عربيّاً، ولا بدّ من التنويه بأنّ ما فُضح من فساد النخبة العائليّة الحاكمة لا يُقارن بإفساد مؤسّسات الدولة ككلّ في دول أخرى لأنّ الفساد المعمّم وسيلة أخرى ناجعة لزيادة عدد المستفيدين من بقاء السلطة، وبالطبع يتمّ سحب هذا العدد من الرصيد المحتمل للمناوئين لها، وعلى الأخص، فإنّ إفساد المؤسّستين العسكريّة والأمنيّة أدّى على الدوام إلى ضمان ولائهما المطلق للسلطة بصفتهما أداتي القوّة والبطش إن لزم الأمر. بالمقارنة مع الوضع التونسيّ تبدو احتمالات هذا النوع من التغيير ضعيفةً في دول عربيّة أخرى، بخاصّة في مجتمعات مهدّدة بالتفكّك، لكنّ ذلك لا يعني انسداد الأفق كلّيّاً، بل إنّ دوام السلطة قد يُنذر بتفكّك أكبر على نحو ما يقدّمه المثال السودانيّ، والواقع أن السلطة الاستبداديّة تضع نفسها في موقع المسؤول الحصريّ عن كلّ الأزمات التي تطاول بلدانها بما أنّها تمنع المجتمع من المشاركة في القرار. لكنّ ذلك لا يعفي القوى الاجتماعيّة، وهي ضعيفة في أغلب البلدان، من محاولة استخلاص ما يمكن استخلاصه من الدرسين التونسيّ والسوداني في سبيل صوغ رؤيا جماعيّة للمستقبل؛ رؤيا لا تركن إلى الواقع المتردّي على أكثر من صعيد، وبخاصّة على صعيد تفكّك مفهوم المواطنة. لقد تبيّن أنّ الدولة التي تقوى على حساب مواطنيها ليست بالدولة، ولا حتّى بمشروع دولة، وحيث إنّ هذه المفارقة لا تتّجه إلى الحلّ، فإنّ التجارب الماثلة أمام الشعوب والحكّام رهنٌ بالطرف الذي يتّعظ منها أولاً. * كاتب سوري