"الصندوق العقاري" يُودع 734 مليون ريال في حسابات مستفيدي "سكني" لشهر يوليو 2021    جبال شدا وكهوف الباحة.. تجذب محبي الاستكشاف والمغامرة في صيف السعودية    أمطار رعدية مصحوبة برياح نشطة على منطقة الباحة    «عكاظ» تكشف: 6 شركات لتصنيع وجبات الحجاج.. و«الحج والعمرة» تحقق    البنوك المركزية الخليجية تتجه لإنشاء نظام موحد لربط المدفوعات    تفكيك شبكتين إرهابية مسؤولة عن تفجير مدينة الصدر بالعراق    بتوجيه الملك سلمان.. مليون جرعة لقاح لدعم ماليزيا لتجاوز «كورونا».. ودعمها بالأجهزة والمستلزمات    اولمبياد طوكيو.. الارجنتين تتخطى مصر    قائد القوات البحرية الملكية السعودية يرعى مراسم تعويم سفينة جلالة الملك "جازان"    النظام الصوتي بالمسجد النبوي إلكتروني دقيق متطور وجودة عالمية عالية    تطبيق «كلوب هاوس» يعرض بيانات 3.8 مليار مستخدم للبيع في «الدارك ويب»    اهتمامات الصحف السودانية    90 مليون ريال صافي أرباح كيمانول خلال النصف الأول    خادم الحرمين وولي العهد يهنئان رئيس ليبيريا بذكرى استقلال بلاده    أنشيلوتي يحدد مصير إيسكو    البرلمان العربي: أمن المملكة جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي    قوات الاحتلال تعتقل فلسطينيين وتصيب آخر من جنين    السباح التونسي أحمد الحفناوي يحرز أول ذهبية للعرب في أولمبياد طوكيو عبر سباق 400 متر حرة    العودة للكمامات.. أمريكا تدرس إعطاء جرعة ثالثة من لقاح كورونا    193.7مليون إصابة بكورونا حول العالم.. وعدد اللقاحات المعطاة 3.82 مليارات    تعرف على أسعار الذهب في السعودية اليوم الأحد    شؤون الحرمين تستقبل المعتمرين عقب الانتهاء من موسم حج هذا العام    مستشفى بمكة يسجّل حادثة اعتداء على 3 أطباء    بالفيديو.. رئيس المجلس التنسيقي لحجاج الداخل يعلق على شكاوى الحجاج بشأن قصور بعض الخدمات    بدء القبول والتسجيل على برامج البكالوريوس بالجامعة العربية المفتوحة    توقعات «الأرصاد»: استمرار هطول الأمطار الرعدية مصحوبة برياح نشطة على عدة مناطق    الخميس المقبل.. بدء القبول الإلحاقي للطلاب والطالبات في جامعة الأمير سطام    الباطن يحقق أولى انتصاراته ودياً بمصر    القرني شبابي لثلاثة مواسم    رغم آلاف التعزيزات الأمنية.. انتفاضة الإقليم الإيراني تتمدد    خيام بديلة في مشعري منى وعرفات العام القادم    محمد بن سلمان.. "السند" والعطاء    14648 مخالفاً ضبطوا في أسبوع.. منهم 270 متسللاً    المرور: ضبط قائد مركبة تعمد ارتكاب مخالفة «قطع إشارة» عدة مرات    طلاب سعوديون يعايدون الوطن ب 14 جائزة عالمية في أولمبياد دولي    المملكة تُسجّل «حمى الثقافية» في قائمة اليونسكو للتراث العالمي    عيد ووعود..!!    «حي جاكس» يبدأ استقبال طلبات الفنانين والمبدعين لإقامة ستوديوهات ومعارض فنية    «إستراتيجية هيئة المسرح والفنون الأدائية»تحلق ب«أبو الفنون» لتأسيس صناعة مسرحية تخلد ثقافتنا    30 كيلو غراماً لتطييب المسجد الحرام وقاصديه    أمير مكة يهنئ القيادة بنجاح الحج    خادم الحرمين لرئيس الهند: نواسيكم في ضحايا الانهيارات الأرضية    تأهيل.. تأهب.. احترافية.. وعزيمة..صحة وسلامة الحجاج.. أولوية القيادة    هديتك ياحاج    انتعاش أسبوعي للنفط بسبب توقعات شح الإمدادات    مركز الملك سلمان يمدد عقد تطهير أرض اليمن من ألغام الحوثي    «فحص الزواج» في القطاع الخاص الصحي            حريصون على بقاء جميع نجوم الفريق والمستقبل يبشر بالخير        وفاة دلال عبد العزيز «شائعة».. من يقف وراء ترويجها ؟    امنيتي الكبيرة    حسين علي رضا يتأهل لربع نهائي "فردي التجديف"        فسح علاج جديد للسكري.. مرة واحدة أسبوعياً    الأرصاد ينبّه بهطول أمطار رعدية على جازان    حالة الطقس: أمطار غزيرة وسيول في الباحة ونجران وعسير    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في أن حرية الصحافة ومكافحة الفساد صنوان لا ينفصلان
نشر في الحياة يوم 21 - 11 - 2010

يبدو أن ما كشفه تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2010 عن تعاظم انتشار الفساد في مجتمعاتنا العربية جاء ليتكامل مع ما عرضه تقرير مراسلون بلا حدود عن مزيد من تراجع الحريات الصحافية في العالم العربي وتقلص مساحة حقوق الرأي والتعبير إلى حد كبير، وكان اللافت أن ثمة تقاطعاً واسعاً بين البلدان التي حازت أعلى المراتب في التضييق على حرية الصحافة ومحاصرة وظيفتها الرقابية والنقدية، وتلك التي احتلت مواقع متقدمة في سلم الفساد.
الوجع الأول في جسدنا العربي هو تردي حالة الحريات وحقوق الإنسان وتالياً هموم صحافة يتعاظم عجزها عن أداء دورها الطبيعي أمام صورة نمطية لصحافة رسمية بلون واحد، فحق الرأي والتعبير لا يزال في مجتمعاتنا حلماً بعيد المنال ولا تزال حرية العمل الصحافي والتعددية الإعلامية خطاً يحظر المساس به. ولا نبالغ في القول أن معنى الصحافة الحرة هو معنى مفقود عموماً في الشعور الجمعي العربي، يعززه ضعف وعي الناس وعدم تقديرهم للدور التنموي الذي يناط بالعمل الصحافي والإعلامي في كشف الحقائق ونقد الظواهر السلبية ونشر القيم النبيلة وحفز الناس على المشاركة في المراقبة والمتابعة وتصويب القرارات والسياسات العامة، بخاصة تلك المتعلقة بشروط حياتهم ومصائرهم.
صحيح أن ثمة حججاً وذرائع كثيرة يتم ترويجها لحرمان المجتمعات العربية من حرية التعبير واحترام حق الاختلاف والرأي الآخر، منها أن مجتمعاتنا قاصرة ودون سن الرشد، غير قادرة على التمييز بين الخير والشر ومعرفة ما يضرها أو ينفعها، ومنها اعتبار أي نقد لسياسات الحكومات تشهيراً وعداء يضران بمصالح الأوطان إن لم يعتبرا إسهاماً مقصوداً في دعم المخططات الخارجية المعادية! وصحيح أن هذه الذرائع أدت إلى تكريس مفهوم خاص عن الصحافة باعتبارها منبراً مسخراً لدعم سياسات الأنظمة التي لا ترضى بغير صوتها صوتاً أو رأيها رأياً، وتالياً سن قوانين وتشريعات تجعل الحقل الإعلامي حقلاً محتكراً لنصرة برامج النخب الحاكمة ومواقفها، تجلى هذا الأمر عملياً باحتكار وسائل الإعلام وممارسة رقابة مشددة على الصحف والجرائد كي لا تتعارض آراؤها مع مواقف الحكومات أو تنشر ما يفسر على أنه انتقاد لسياساتها. لكن الصحيح أيضاً أن الفساد عندما يصبح قوة لا يستهان بها تتغلغل في مفاصل المجتمع والدولة، هو عامل حاسم في الإصرار على تعطيل الحريات العامة وبخاصة الحريات الصحافية بدافع من مصلحة الفاسدين الطبيعية في إقصاء رقابة المجتمع وحجب دوره.
وإذ نعترف بأن ظاهرة الفساد هي ظاهرة عالمية تعاني منها غالبية البلدان حتى أكثرها شفافية وديموقراطية، لكن هذا الداء يبقى في الدول المتطورة ظاهرة جزئية ومحدودة يصيب بعض رموز النخب السياسية أو الاقتصادية، وتترصده على محدوديته وضيق انتشاره، الصحافة الحرة، ويخضع للمحاسبة أمام القضاء، كما ينبذه الرأي العام والضمير الحي كونه في نظر الثقافة الشعبية جزءاً من القيم السلبية البغيضة. أما في المجتمعات المتخلفة، وفي شكل خاص تلك المجتمعات التي لم تعرف الحياة الديموقراطية وسيادة القانون فإن الفساد يصبح، مع الزمن، حالة سياسية واجتماعية متفشية، تغزو قيمه العقول والضمائر، ويغدو في الثقافة الشعبية سلوكاً إيجابياً يدل على الشطارة والحنكة والذكاء، في مواجهة القيم النبيلة، قيم الشرف والنزاهة، التي يروج على أنها سمات الشخصية الضعيفة والساذجة والقليلة الحيلة. الأمر الذي يعزز نمو الروح الانتهازية وتسلل الشخصيات الفاسدة إلى مواقع القيادة وإلى المناصب السياسية والإدارية خالقة من حولها عالماً فاسداً على صورتها ومثالها، لنجد أنفسنا كما لو أننا أمام شبكة مترامية الأطراف، لا هدف لها ولا غرض سوى تسخير الصلاحيات العامة ومواقع المسؤولية لخدمة الامتيازات الخاصة وسرقة المال العام، مستندة إلى تفشي أساليب التسلط والقهر وغياب الحريات وبخاصة الصحافة الحرة ودورها في تقصي المعلومات والوقائع وكشف ما يحصل من أخطاء ومثالب في المجتمع، وتعرية أشكال الفساد ومسلكيات المفسدين.
لقد شهدنا في غير بلد عربي هجمات رسمية للحد من انتشار الفساد، كانت تشتد كلما اشتد المرض وفاحت روائحه، أو كلما تفاقمت انعكاساته السلبية على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. إلا أن الأمور عادة لا تلبث أن تعود كما كانت، وربما اشد وطأة، مؤكدة قصور الأساليب الفوقية في معالجة هذا الداء. وبعبارة أخرى فإن الإجراءات الرسمية لمكافحة الفساد مهما اشتدت ومهما قست العقوبات الرادعة بحق بعض الفاسدين والمفسدين، ليست أكثر من مسكنات ألم تخفف من آثار المرض ولا تعالج أسبابه الحقيقية. وهي لن تؤتي أكلها، ولنقل لن تجدي نفعاً في حل هذه المعضلة واستئصال شأفة الفساد وجذوره الضاربة عميقاً في مجتمعاتنا، طالما يتم التغاضي عن مناخ الحريات وعن ضرورة إطلاق يد الصحافة لنقد وتعرية مظاهر الفساد ومطاردة أشكاله مهما بدت صغيرة وتافهة، على أمل محاصرة بؤره وعزلها في جزر صغيرة، بما يخفف إلى الحد الأدنى من أخطارها على بنية المجتمعات ومسارات تنميتها، وما يجدر ذكره في هذا السياق أن ثمة مؤشرات متنامية لأكثر من تجربة ملموسة وبعضها لبلدان عربية تدل على أن جهود الصحافة الحرة في رصد حالات الفساد وتمكين المجتمع منه بدأت تثمر نجاحاً في توفير مناخ يشجع على الشفافية وسهولة تدفق المعلومات وتداول الوثائق والمستندات وكشف أي غموض يلف شبكات الفاسدين وصفقاتهم المشبوهة. والأهم النجاح في تنمية رأي عام وثقافة معادية لثقافة الفساد تساعد في ضمان سلامة القضاء وتطبيق القانون وفي تصويب سياسات الأنظمة وحضها على وضع خطط جدية لمكافحة هذه الآفة.
منذ أكثر من مئة عام خلص المؤرخ البريطاني لورد أكتون إلى أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»، وأضاف الكواكبي أن «الاستبداد يفسد الناس ويضطرهم إلى إباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل ومراغمة الحس وإماتة النفس...». واليوم، في ضوء ما آلت إليه أحوالنا، يبدو أن لا قيمة نوعية لمواجهة الفساد المستشري في المجتمعات العربية إذا نظرنا إليه كظاهرة منفردة، وإذا لم نقرأه كعرض مرضي لداء رئيس تكثّفه سيطرة مستديمة غيبت الحريات وبخاصة حرية الصحافة وأدت إلى تكبيل مجتمعاتنا وتهميش دورها، ما قضى على روح المبادرة والنقد لديها وأضعف إلى حد كبير من فاعليتها وحيويتها في المشاركة والمراقبة والمحاسبة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.