ما الذي كان من شأنك ان تفعل إن كنت نجماً كبيراً أحسست يوماً انك منذ زمن لم تلعب دوراً كبيراً يرسخ نجوميتك وقد بدأ العمر يتقدم بك؟ ماذا كنت ستفعل وملايين المعجبين يتذكرون من بين أدوارك العديدة اكثر ما يتذكرون شخصية لعبتها قبل نحو ربع قرن في فيلم «وول ستريت» من إخراج مبدع لا يقل عنك نجومية أو مشاكسة هو أوليفر ستون؟ لعل اول شيء يخطر في بالك هنا هو ان الفيلم القديم انتهى وأنت في السجن بسبب شرورك وغشِِّك في المضاربات. من هنا قد تقول في نفسك: فلنعد الى الموضوع نفسه. نخرج الشخصية من السجن. نبدل لها مسيرتها. نضفي عليها سمات انسانية مع بعض القلبات المسرحية. نعصرن الموضوع. ثم لأن العودة ستكون عودتين: الى شخصية غوردون جيكو كما الى مخرج الفيلم القديم أوليفر ستون لن يضر أحدا ان يتطلّع الفيلم الى الدنو من الأزمة الاقتصادية العالمية، فنحن هنا بعد كل شيء في وول ستريت حي المال والمصارف و – بالنسبة الى ستون على الأقل – مركز الشر المطلق في عالم الرأسمالية. على هذا النحو، إذا يولد الفيلم الذي عرض أول من أمس في مهرجان «كان» عرضاً خاصاً انما خارج المسابقة. كان الزحام كبيراً والتوقعات اكبر. لكن الأكبر منهما كان حجم الخيبة. بالكاد بضعة أشخاص صفقوا. بالكاد عبر أحد عن إعجابه لدى مبارحة الصالة. لكن أحداً، في الحقيقة لم يغادرها قبل انتهاء الفيلم، فالفيلم وعنوانه « وول ستريت 2 – المال لا ينام» اتى مشوقا من ناحية حبكته حتى وان كان تشويقه ميلودرامياً. هنا بدلاً من العمل السجالي المنتظر من ستون الفتى المشاكس في السينما السياسية الأميركية حول المال واقتصادياته التي تشغل العالم منذ سنتين على الأقل، وجدنا أنفسنا أمام دراما عائلية ودموع ومحاولات أب الاقتراب من ابنته التي لا تريد أي اقتراب منه. ثم رأينا مؤامرات وتواطؤ بين الأب وصهره. ومحاولات كل واحد ان يحتال على الآخر. ثم رأينا في اللحظات الأخيرة كل شيء يصل الى نهايته السعيدة. والنجم الكبير يحصل على دور يناسب تصوراته عن الدور الكبير: شيء يتأرجح مثلا بين أداء يوسف وهبي المسرحي وملعنة هامفري بوغارت حين يمثل الشرير ذا الكاريزما المفتعلة. كل هذا رأيناه كما رأينا طبعاً ممثلين كباراً وحوارات مسرحية تكاد تملأ الفيلم الذي تأرجح أسلوبه بين الفيديو كليب ولقطات الثرثرة التي لا تنتهي. ولكن ماذا عن الموضوع الأساسي؟ الموضوع الذي وعدنا به وكان منتظراً من صاحب « دبليو» و»نيكسون» و «جي اف كيه» و «مركز التجارة العالمية» وغيرها من افلام «أرّخت بشكل أو بآخر وعلى طريقة ستون الخاصة للحاضر الأميركي المغضوب عليه؟ موجودة طبعاً... في الواجهة وفي الخلفية. لكنها ليست كما يقول لنا علماء الاقتصاد جزءا من منطق النظام الرأسمالي نفسه. انها هنا جزء من منظومة أخلاقية لا اكثر، ولا تدعننا هنا المشاهد الضخمة في الفيلم والتي تدور في المصارف الكبرى والحفلات الضخمة وبين الرأسماليين الذين يبدون في اجتماعاتهم اكثر شبها بعائلات المافيا حين تجتمع في فيلم العراب مثلاً. فكل هذا ليس اكثر من ديكور وفصاحة طالما ان الفيلم يفيدنا في النهاية ان التغلب على الشر هو الحل. أما مايكل دوغلاس فيستعيد نجوميته كما أراد في دور الشرير الخارج من ثماني سنوات سجن ليستعيد ابنته وسط بحر من الدموع. ويهزم الأشرار إذ ربما بهزيمته اياهم يستعيد المنطق الرأسمالي سيرورته وربما أخلاقياته أيضاً.