الأزمة الناشبة بين السلطات المصرية و «حزب الله» على خلفية اعتقال خلية متورطة بالقيام بأعمال مخلة بالأمن المصري، تفضي إلى الاستنتاج التالي: إن الحروب بين الدول تقلّصت إلى حد كبير، فيما تصاعدت حدة الحروب والمواجهات بين الدول والتنظيمات والمنظمات والأحزاب على اختلافها. والذي يؤدي إلى هذا النوع من الصراعات وجود دول «حاضنة» لتنظيمات مختلفة تتولى تحريك «ملفاتها» بين الحين والآخر وفق توقيت مدروس بعناية، وهذا ما يفسر نشوب صراعات أو أزمات ذات طابع اقليمي، إضافة إلى الجانب المحلي والمتداخل أو المتقاطع مع المصالح الدولية. إن الأزمة بين مصر و «حزب الله» أصبحت في يد القضاء المصري الذي وعد بإيضاح ملابساتها، ول «حزب الله» الدفاع عن نفسه وشرح حقيقة ما حدث، خصوصاً أن أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله بادر إلى التأكيد على أن المعتقل في مصر ينتمي فعلاً إلى الحزب، مع تشديده على أن الحزب ليس في وارد فتح أي معركة مع أي دولة عربية، وعدم تعريض الأمن المصري إلى أي خطر. لكن «حزب الله» مطالب بالإجابة على التساؤلات التي طرحتها هذه الأزمة، علماً بأن ما حدث في مصر يندرج تحت مقولة «الشرف الذي لا تدعيه والمقاومة والتهمة اللتان لا تنفيهما»، ألا وهو تقديم الدعم بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة لحركة «حماس» في غزة من الموقع النضالي الذي يربط بين مختلف الفصائل المقاومة. وهنا يجب تحديد الخط الفاصل بين حدود الأمن المصري من جهة، وقدرة المقاومة على التحرك دعماً لفصائل المقاومة الفلسطينية في حربها مع إسرائيل. على أن العامل الرئيسي الذي أعطى البُعد الأكبر للأزمة الناشبة هو شعور مصر ببعض المحاولات لسحب البساط الفلسطيني من تحت السيطرة المصرية والتي ترتبط بعلاقات تاريخية مع القضية الفلسطينية، ومع الفلسطينيين، وأكثر تحديداً، مع أهل قطاع غزة، وهذا ما أثار حفيظة الرئيس حسني مبارك في خطابه الأخير والذي أطلق فيه تحذيراً ل «من يتمسحون بالقضية الفلسطينية»، مشدداً على أن مصر لا تسمح «بتدخلات قوى اقليمية تعادي السلام وتدفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية، وتسعى لبسط نفوذها وأجندتها على عالمنا العربي، وأن تلك القوى تغذي الخلافات على الساحتين العربية والفلسطينية وتدفع عملاءها في المنطقة لتهديد أمن مصر القومي واستباحة حدودها وزعزعة استقرارها». وانتهى مبارك إلى القول: «أقول لهؤلاء اننا واعون تماماً لمخططاتكم، وسنكشف تآمركم ونرد كيدكم في نحوركم. كفاكم تمسحاً بالقضية الفلسطينية، واحذروا غضب مصر وشعبها». وتعكس هذه اللهجة الحادة في الخطاب المصري مدى التدهور الذي بلغته العلاقات بين مصر وإيران من جهة، والاتهامات الموجهة إلى قطر بأنها تدعم بعض التنظيمات الفلسطينية وتحرضها على القيام بكل ما يسيء إلى الاستقرار في مصر، الأمر الذي يجب ربطه بمقاطعة الرئيس المصري للقمة العربية في الدوحة والتي أطلق عليها «قمة المصالحات العربية»، في حين أن نتائجها لم تكن بالطموحات والتوقعات نفسها. وإذا ما تدرجنا في هذا السياق ومن قبيل ربط الأمور ببعضها بعضاً في المنطقة، يجب التوقف من جديد عند مستجدات الحوار بين الولاياتالمتحدةوإيران حول الملف النووي وقضايا أخرى متعددة. وقد تساءلنا في المقال السابق عما ستكون عليه ردة الفعل الإيرانية حيال الانفتاح الأميركي، وهل ستقابل طهران هذه الدعوة بنوع من الاعتدال أم بمزيد من التطرف؟ وقد جاء الجواب مزيجاً من كلا التساؤلين. فخلال «مؤتمر العنصرية» الذي انعقد في جنيف تحت عنوان «دربان -2» أثار الخطاب الذي ألقاه الرئيس محمود أحمدي نجاد ضجة كبرى بين الوفود، الأمر الذي أدى إلى انسحاب العديد منها. ويقول الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: «... قبل الخطاب عقدت اجتماعاً ثنائياً طويلاً مع الرئيس أحمدي نجاد ودعوته إلى تقديم اسهام متوازن وبناء للمؤتمر لأنه رئيس الدولة الوحيد الحاضر في المؤتمر». وطبعاً لم يلق طلب الأمين العام أي تجاوب من الرئيس الإيراني. وفي مؤتمر صحافي أعقب الجلسة العاصفة للمندوبين وجّه أحمدي نجاد انتقادات لاذعة للولايات المتحدة لتبنيها مواقف وسياسات بعض الدول التي لا تزال تمارس التمييز العنصري. وانتظر المراقبون معرفة ردة الفعل الأميركية على قول أحمدي نجاد... وفاجأت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بالقول: «... نحن ما زلنا على عرضنا بالتحاور مع إيران». على أن مؤتمر «دربان -2» أثار إضافة إلى «العاصفة الإيرانية» خلافاً بين فرنساوالولاياتالمتحدة حيث وجه وزير الخارجية برنار كوشنير انتقاداً لاذعاً ل «السياسة الأميركية حيال المؤتمر وإيران». وأضاف: «هناك مفارقة تنم عن الموقف الأميركي حيث أن واشنطن قررت من جهة مقاطعة مؤتمر جنيف، في حين أن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون سارعت إلى الإعلان أن واشنطن مستمرة في سعيها لإقامة حوار مع طهران». ومضى كوشنير إلى القول: «إن الموقف الأميركي لا يتضمن فقط مفارقة، بل يمكن اعتباره بمثابة خطأ سياسي». ونبّه الوزير الفرنسي واشنطن إلى أن الحوار مع ايران حول ملفها النووي «بالغ الصعوبة، خصوصاً مع بلد يصنع القنبلة النووية ولذا يتوجب فعل كل ما يلزم لمنعه من استخدامها». ومثل هذه التصريحات المتباينة حول السياسة التي يجب انتهاجها مع إيران توضح بجلاء انقسام الدول الغربية فيما بينها حيال أسلوب التعاطي مع طهران، الأمر الذي يمنح السلطات الإيرانية المزيد من النقاط لصالحها. وعلى رغم أن الرئيس الأميركي باراك أوباما وصف تصريحات أحمدي نجاد بأنها «بشعة وعنصرية ويجب رفضها»، لكنه قال إنه سيواصل «جهوداً ديبلوماسية مرهفة ومباشرة لتحسين العلاقات مع إيران». إذاً، يُستنتج من كل ذلك إصرار إدارة الرئيس باراك أوباما على المضي في الحوار مع طهران، الأمر الذي يرتب على إيران تحديد موقف محدد من هذا التوجه، إذ لا يمكن أن يبقى الموقف الإيراني مستنداً إلى الرفض القاطع وإلى السلبية في التعاطي مع أميركا والغرب، علماً أن طهران تسعى إلى تحسين موقفها التفاوضي وهذا من حقها من حيث المبدأ العام، خصوصاً أن الانتخابات الرئاسية هي على الأبواب والصراع يتجدد بعنف بين الجناحين الإصلاحي والمحافظ. هذا في جانب، وفي جانب آخر فإن اميركا تنظر الى «حزب الله»، على أنه على تنسيق تام مع إيران، وهذا ما يُعيدنا إلى وضع «حزب الله» من التطورات الأخيرة: الانتخابات المقبلة في لبنان، والأزمة الناشبة بين الحزب والسلطات المصرية، والتعاون بينه وبين إيران. وفي هذا السياق أعربت واشنطن عن خشيتها من أن تسفر الانتخابات المقبلة في لبنان عن فوز المعارضة «مما يعطي حزب الله اليد الطولى في السيطرة على القرار»، وهذا ما عبّرت عنه بوضوح وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في شهادة أدلت بها أمام إحدى لجان مجلس النواب الأميركي. كل هذه المعطيات والتفاصيل تقود إلى المحصلة التالية: التأكيد على تغيير طبيعة الصراع في المنطقة، ليصبح بين الأنظمة والتنظيمات بدل النزاع بين الأنظمة نفسها. إن «حزب الله» يواجه سؤالاً محورياً: هل هو حركة مقاومة ضد إسرائيل في الحدود اللبنانية فحسب؟ أم أن طبيعة الصراع مع إسرائيل تحتم استخدام الحدود الوحيدة المفتوحة مع إسرائيل، وهي جبهة معبر رفح مع قطاع غزة؟ واستطراداً على «حزب الله» تقديم تطمينات للأنظمة العربية بأنها ليست مستهدفة من نشاط وتحركات الحزب، وأن هدفه الوحيد هو مقاومة إسرائيل. محوران اقليميان يجب متابعة التطورات حولهما: الأول، مصير الحوار المفتوح بين الولاياتالمتحدةوإيران، وأي نهج سيسلك؟ وفي أي مكان سيُعقد؟ وعلى أي مستوى في مراحله الأولى؟ والثاني، متابعة الانتخابات النيابية في لبنان والتي ستجري يوم السابع من حزيران (يونيو) المقبل، والنتائج التي ستسفر عنها من حيث التجاذب الحاد القائم بين «تجمع 8 آذار» و «تجمع 14 آذار»، وفي ما يتعدى الحدود اللبنانية إلى الآفاق الاقليمية وحتى الدولية. وفي هذه الأثناء، لبنان غارق حتى اذنيه وما بعد... بعد اذنيه في انتخابات يتراوح تصنيفها بين «المصيرية» و «المفصلية»، وتوصيفات أخرى يحفل بها البازار الانتخابي في لبنان. * كاتب وإعلامي لبناني