تخيّل معي أن مجموعة من البشر يعيشون على كوكب زمردة؛ كوكبٌ تتقاطع فيه الطرق، وتلتقي فيه العقول، وتختلف فيه الآراء كما يختلف الضوء على سطح الحجر. فالضوء حين يلامس الأحجار لا يتصرّف بطريقة واحدة، بل يتبدّل كأنه يقرأ "شخصية" كل حجر. والسبب يعود إلى تركيبة الحجر، ونقائه، وطريقة قطعه. لذلك ترى حجرًا يشتعل بوميض أبيض حاد، وآخر يفيض بألوان قوس قزح، وثالثًا يبدو كأنه يحتضن ضوءًا ناعمًا، كالألماس، والأوبال، وحجر القمر، والياقوت، والزمرد، واللؤلؤ. وهناك أحجار عندما يسقط عليها الضوء، كحجر الأوبسيديان (Obsidian)، تظهر أحيانًا كقطعة زجاج سوداء عادية، أو تعطي انعكاسًا حادًا مزعجًا بدلًا من اللمعان والتوهّج. وفي هذا الكوكب، كما في أي مجتمع بشري، لا تسير الأمور دائمًا في خط واحد؛ فحيثما اجتمع الناس، وُجد الاختلاف، كما في تفاعل الأحجار مع سقوط الضوء. وعلى كوكب زمردة، لا تبدأ الخلافات عادةً بصوت مرتفع أو مواجهة صريحة، بل كثيرًا ما تولد في مساحة صغيرة من الغموض؛ كلمة قيلت ولم تُفهم كما أُريد لها، موقف فُسّر بغير قصده، أو صمت ترك المجال واسعًا للتأويل، أو نية سيئة خفية، أو من يرضى لنفسه أن يكون أداةً في ممارسات لا تليق. ومن تلك المساحة الضبابية تبدأ الظنون في التشكّل، وتتباعد الخطوات. لكن الاختلاف في ذاته ليس المشكلة؛ فاختلاف الآراء وتباين المواقف أمر طبيعي بين البشر منذ أن عرفوا الاجتماع. إنما ما يميّز الناس حقًا ليس وقوع الخصومة، بل كيف تكون تلك الخصومة. فهناك من يختلف وهو متمسك بالأخلاق؛ لا يظلم ولا يتجنّى، ولا يسمح للخلاف أن يجرّه إلى الكذب أو التزييف أو الانتقاص والتجريح. وهنا يظهر ما يمكن أن يُسمّى شرف الخصومة. وشرف الخصومة أن يبقى الإنسان وفيًّا لمبادئه حتى في لحظة الخلاف؛ فلا يحرّف الحقائق، ولا يستغل زلّة، ولا يفتّش في العيوب ليكسب موقفًا مؤقتًا. بل يختلف بوضوح واحترام، ويقول ما عنده بصدق دون أن يفقد إنصافه أو كرامته. فالخصومة الشريفة لا تهدم القيم، بل تكشف معدن أصحابها. وفي كثير من الأحيان، لا يُعرف الإنسان على حقيقته في أوقات الصفاء، بل في لحظات الخلاف. فهناك من إذا خاصم تجاوز الحدود، وهناك من إذا خاصم ازداد أدبًا واتزانًا. ولذلك قيل إن أخلاق الإنسان تظهر حين يختلف أكثر مما تظهر حين يتفق؛ لأن شرف الخصومة هو الامتحان الحقيقي للنفوس. وفي لحظات الخصومة تنكشف مفارقة عجيبة؛ فبعض الناس، حين تضيق به الحجة، يفتح باب الكذب، ويتكئ على الافتراء، ويصوغ روايات لا علاقة لها بالحقيقة. وهنا ينهض سؤال ثقيل لا يجيب عنه أحد سواه: كيف يستطيع الإنسان أن يقف أمام المرآة كل صباح، وينظر إلى وجهه بثبات، وهو يعلم أنه قال ما ليس حقًا، وافترى على غيره بما لم يفعل؟ فالخصومة قد تكون موقفًا عابرًا، لكن الكلمة التي تخرج زورًا لا تعود كما كانت، والافتراء يترك في الروح ندبة لا يراها الناس، لكنها تبقى ساكنة في الداخل. ولهذا تبقى الخسارة الحقيقية ليست في الخلاف نفسه، بل في اللحظة التي يتخلى فيها الإنسان عن صدقه مع نفسه، ويبدّل الحقيقة برواية يعلم في أعماقه أنها لم تكن يومًا الحقيقة. هنا فقط تتضح الفروق بين الأحجار! وهنا يحضرني بيت الشاعر مساعد الرشيدي الذي يلخص الفكرة بصدق حين قال: المرجلة مثل الجبال الطويلة ومثل الفرس تحتاج فارس وخيّال يا صاحبي يا كبرها من فشيلة تكيد لي كيد النساء وأنت رجال فهو لا يعترض على الخصومة ذاتها، بل على الأسلوب؛ على أن تتحول إلى كيد خفي وممارسات لا تليق بالمروءة. وهنا يتجلى المعنى الحقيقي لشرف الخصومة، ويتجلى كذلك الفرق بين البشر كالأحجار الكريمة التي نعتز بها ونقتنيها بأغلى الأثمان، وبين حجر تتقاذفه الأقدام. أن يبقى الإنسان كبيرًا في خلافه كما هو كبير في اتفاقه، وأن لا يخسر أخلاقه وهو يحاول أن ينتصر. كتبته/ حصة بنت يحيى الزهراني