الآن.. لا صوت يعلو فوق صوت الخادمات. قرأتم ولا شك عن تبعات حادثة اعتداء سعودية في المدينة على خادمتها الإندونيسية. قامت الدنيا هناك في جاكرتا وما جاورها. بعدها أصدرت منظمة العفو الدولية بيانا أدانت فيه ما زعمت أنه إساءة معاملة للخادمات في السعودية. ردت جمعية وهيئة حقوق الإنسان على البيان وطالبتا وزارة العمل بإصدار بيان توضيحي... إلخ إلخ إلخ. وإذا أردنا الحقيقة، فإن صنف البشر هذا الذي ساقته أقداره إلى العمل في منازلنا يتعرض إلى هضم حقوق صارخ. لا عقد عمل ينظم على وجه الدقة طبيعة العلاقة بين الطرفين، ولا ساعات عمل محددة، ولا راحة أسبوعية أو حتى إجازة سنوية، دع عنك أن أكثر الأسر تتعامل معهن باحتقار بالغ وسوء ظن مبالغ فيه. هل هناك خادمات مجرمات وسيئات ومنحطات «ويستاهلون الذبح»؟ مؤكد، لكن ليس جميعهن قطعا. بالأمس كنت أقرأ في هذه الصفحة نفسها عن تحرك مركز أبحاث الحياة الفطرية لإنقاذ فيل «يعاني من حالة نفسية سيئة»! قال المركز الذي هاجم حديقة الحيوان إن هذه الأخيرة «لا تتقيد بشروط حقوق الحيوانات بتاتا ومنها على سبيل المثال إجبار الحيوانات النهارية والليلية على الوقوف طيلة 24 ساعة من أجل إمتاع المشاهدين؛ وهو ما يناقض شروط العمل؛ لأن الحيوانات تحتاج إلى راحة تامة». أما «الفيل صديقي» فحالته أسوأ كثيرا لأنه «يعاني الوحدة ويفتقد زوجته لفترة طويلة وهو ما أدخله في حالة نفسية سيئة». إي والله هكذا! الآن مرة أخرى.. ألا تذكركم معاناة هذه الحيوانات الليلية والنهارية بمعاناة الخادمات، مع الفارق فقط في أن هذه حيوانات «عندها ظهر» وهؤلاء بشر لا بواكي لهم! وليس لدي اعتراض على تحرك الحياة الفطرية لنجدة الأفيال والتماسيح، فهذا عملها وهو ما يجب أن يكون عليه الحال، غير أن العتب كل العتب على جهات أخرى كان أحرى بها أن تنتفض لتحديد حقوق العمالة من البشر قطعا للطريق على كل أحد يعتقد أن الخادمة ملك خاص يفعل به ما يشاء وكيف يشاء. يقولون «ما ينفع الصوت بعد الفوت»، ولن ينفعنا الآن أن نصدر بيانات أو نرفع عقيرتنا بالردود الإنشائية. كان يجب أن نستبق كل هذه الهجمات ضدنا بنظام عادل، نرفعه في وجوه كل الذين يتجرؤون على انتقاد تعاملنا اللاإنساني. الأنظمة هي التي تخرس الأصوات الناعقة. الأنظمة فقط.. وليس البيانات.