كثرت الولائم التي يحتضنها شهر رمضان وبالذات في تناول وجبة الإفطار، فهناك من يحولها إلى عادة يجمع فيها الأصدقاء والأحباب كنوع من وسائل التواصل، وهناك من يجمع فيها منسوبي قطاعه وسرعان ما تصبح إلى اجتماع مصغر وكلمات خطابية لا تختلف عن أجواء العمل، والبعض الآخر يضعها للتباهي والتفاخر بإقامتها في أرقى الفنادق ويوجه الدعوات برسائل جوال لكثرة المعازيم. مطلع الأسبوع الحالي استضاف الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد وزير التربية السابق في بيت نصيف التاريخي عددا من الأمراء والوزراء والمسؤولين والأعيان ولفيفا من المواطنين كعادته السنوية في كل عام، إذ يحرص على إضافة جديدة في الحضور لإثراء النقاش قبل وأثناء الإفطار. ما أن صعد الضيوف على سطح بيت نصيف الذي يقبع في وسط جدة القديمة والمطل على البيوت التاريخية، حتى تنفس الجميع من صعوبة الصعود في أصعب لحظات قبل الإفطار، يلتف الجميع على جنبات البيت الأثري ليشاهدوا الفنون المعمارية في جدة. هذا البيت الأثري اكتسب أهمية منذ أن نزل فيه الملك عبد العزيز طيب الله ثراه على ضيافة صاحب البيت الشيخ عمر أفندي نصيف في عام 1925م. ويقع في قلب جدة النابض بالحركة التجارية والسياحية، إذ يعود تاريخ بناء البيت إلى عام 1289ه وتم الانتهاء منه عام 1298ه، وبعد ذلك أهداه صاحبه للحكومة التي قامت بترميمه. جمع الأمير في هذه المناسبة بين صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن متعب بن عبدالعزيز وزير الشؤون البلدية والقروية وصاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار وضيوف كثر لكن الميزة الأخرى هي حضور أمين جدة سابقا الدكتور خالد عبدالغني ليدور أحاديث عن جدة التاريخية وتسلسل جهود الوزارة وأمانة جدة وهيئة السياحة والآثار والعناية بالمنطقة التاريخية وتأسيس إدارة مستقلة لحماية المباني التراثية من الهدم ومنع التعديات إلى أن حظيت بالموافقة على انضمام جدة التاريخية لقائمة التراث العالمي التابعة لليونيسكو. في خضم تلك النقاشات، طرحت أفكار ورؤى من الحضور وقد حرص وزير الشؤون البلدية والقروية على الإنصات لها وتبادل النقاشات مع رئيس هيئة السياحة والآثار حولها وتحولت إلى أشبه بورشة عمل ستنعكس على مستقبل المنطقة التاريخية ببشائر خير، إذ قال لي الأمير منصور بن متعب لحظتها: «هناك مذكرة تفاهم بين الوزارة وهيئة السياحة والآثار تتعلق بتطوير المناطق الأثرية والحفاظ على الموروث التاريخي، وكل ما طرح ويطرح سيتحول إلى برامج عمل تضاف إلى الدراسات والمسوحات التي عملت في السابق وهناك مبالغ كبيرة رصدت لجدة التاريخية». وقبل أن يغادر الأمير سلطان بن سلمان قال: انتظروا جدة التاريخية فهي قادمة وستعلن خطة التطوير.. الداعي للمناسبة الأمير فيصل بن عبدالله أعلنها بكل صراحة أمام الضيوف «الحضور غير في جدة غير، ونقاش الإفطار غير وستكون المنطقة التاريخية غير». كم نتمنى أن تتحول المناسبات الخاصة إلى استثمار الأفكار والرؤى وتحويلها إلى مشاريع عمل تحقق المصلحة العامة وتقضي على عوائق الروتين ويقترن تنظيمها في مواقع ميدانية مثل بيت نصيف وغيرها.