جاء بالحديث الشريف أن الحياء شعبة من شعب الإيمان. لهذا، ولكي يزداد إيماني أصبحت استحي حتى من ظلي إذا كنت معه على انفراد، وكان الشيطان ثالثنا. وقد أرجع علماء النفس هذا الشعور بالحياء إلى عاملين: أحدهما حيواني، والآخر اجتماعي، أما العامل الحيواني وهو المهم فمرتبط بالشعور الجنسي في الإنسان، وهو أقوى في المرأة منه عند الرجل. ويرى بعض العلماء أنه مهما تكن الحقيقة، فإن الشعور بالحياء نسبي يختلف باختلاف المكان والزمان، فما يحسبه الشرقي عيبا قد لا يحسبه الغربي كذلك، وما يخجل منه الأوروبي قد لا يخجل منه الأفريقي، والعكس أيضا صحيح. خذوا مثلا شعوب أستراليا الأصلية وأهالي بورينو وبعض قبائل أواسط أفريقيا وغير هذه من الشعوب المختلفة تجدون من جملة العادات المنتشرة بينها عادة الزواج الإباحي. فبعض قبائل (هاواياى)، لا تكون المرأة المتزوجة زوجة رجل واحد فقط، بل زوجة جميع إخوته أيضا، وكل واحد يعتبرها زوجة شرعية له، عليه أن يقدم إليها كل ما هي في حاجة إليه من غذاء وكساء. وأغرب من ذلك أن الشعوب حتى المتمدنة تختلف نظرتها إلى الحياء اختلافا تاما، ويتضح هذا جليا من عادة الحجاب، فبعض النساء يغطين وجوههن، وبعضهن شعورهن، وبعضهن أقدامهن، كل ذلك دليل على أن الشعور بالحياء نسبي، وأي دليل أصدق على صحة هذا القول من أن الفتاة الصينية تغطي قدمها وتسترها عن الأنظار، وهي بالنسبة لها فضيحة أكثر من وجهها وغير وجهها. والغالبية منا يرددون المثل القائل: (اللي استحوا ماتوا)، وقد ذكر لي أحدهم سبب هذا المثل، حينما كانت مجموعة من النسوة في إحدى الحمامات العامة بالقرن الثامن عشر، عندما شب حريق فجائي هائل بالحمام، فانطلقت النساء قليلات الحياء منهن إلى الشارع وهن (ملط)، ربي كما خلقتني، ولسان حالهن يقول: (يا روحي ما بعدك روح)، وأنا لا ألومهن بقدر ما أتخيل مناظرهن وهن يتقافزن أمامي كالجنادب، غير أن القلة منهن اللواتي تمسكن بحيائهن أصبحن وقودا للنيران وتحولن جميعهن إلى فحم، وعلى هذا الأساس، فالحياء ليس نافعا في كل وقت. يا ليتني كنت شاهدا من شهود تلك الحريقة، وساهمت بالإنقاذ. وأختم بموقف لمحامٍ مشهور اشتهر بالوقاحة والمفردات السفيهة، وأخذ يترافع يوما عن مجرم قتل زوجته بسبب (برودتها)، فنصحه القاضي قبل أن يبدأ بالكلام أن يتأدب في اختيار ألفاظه، خصوصا أن هناك نساء من بين المحلفين يشتهرن بالحياء، فقال: أيها السادة المحلفون ينبغي أن تفهموا هذا الرجل، فقد كان المسكين يجد نفسه دائما في موقف الشخص الذي يضغط على زر المصعد بلا جدوى، إذ يتبين له أن المصعد لا يتحرك! انتهى. يعني جاء يكحلها فأعماها.