أجواؤنا الحارة لم تعد مانعا من الانغماس في حمى كأس العالم رغما عن أنف منتخبنا الذي لم يتأهل، وفعليا لم يصبح التأهل من عدمه سببا ملحا للمتابعة والمشاهدة، لأن المشاهدات الحالية لجموع المتابعين لمباريات كأس العالم في مجتمعنا تحكي بلسان حالهم «العوض ولا القطيعة». في أحد الأيام اتصل بي أحد الموهومين بحراك سوق الأسهم من أحد البنوك قائلا: في صالة التداول أغلقوا شاشة العرض وحولوها إلى مباراة هولندا والدنمارك، فإن تستمع خير من أن تغبن في نزول سهم وصعود آخر، وهكذا هو توصيفنا الاجتماعي طيلة شهر كأس العالم، فكثير من المنازل أعلنت الهدنة مقابل المتعة المتبادلة بين الأب المتابع والأم المتفرغة لشأنها بعيدا عن إزعاج زوجها، والأكثر تعقيدا يتمثل في حالة «ما بعد العولمة» التي حققتها كرة القدم قبل مونديالها وفي أثنائه من تجاوز الجيل الجديد لتقاليدنا الرياضية المتبعة في وقت لم نكن نعرف نجوما في الملاعب سوى ماجد والنعيمة والثنيان وحدنا الأعلى كان المنافسة على كأس آسيا والانغماس بأجوائها متقلبين بين القناة الأولى والثانية، أما الآن فأصغر شاب في مقتبل عمره ينظر لك قواعد الخطط والتكتيك مع نقاط قوة وضعف كل فريق، ولم يعد اقتناء «فانيلة» المنتخب شغله الشاغل مقابل الحصول على قميص الأرجنتين أو البرازيل أو إسبانيا التي درت على كثير من المحلات دخلا يعادل دخل سنة كاملة، وأصبحت المقاهي مستوطنات شبابية لا تتعامل إلا بالحجز المسبق مجدولة على موعد المباريات ظهرا وعصرا وليلا والكرسي بعشرة، وغدا ميسي ورونالدو وتوريس وكلوزة وكاكا مسيطرين على مشهد تصدير المتعة والانتماء «الإضافي» في عصر ذهبي لا يمكن أن تتحقق معطياته قبل 20 عاما في نفس المناسبة والحدث، حتى السيارات والجوالات أصبحت تضج بأغنية الكندي «كنعان» ذي الأصول الصومالية وهو يغني الأغنية الرسمية لكأس العالم «Wavin Flag». حالة الحمى ستصيبك دون أدنى شك بعدواها وإن كان «ما في راسك كورة»، وهو مشهد يستحق التفكيك والتأمل في نزعة التأثير التي لم تعترف بالحدود الجغرافية أمام الاستمتاع الذي لا تعرفه لغته أي قيد ولاسيما في كرة القدم، وتأثير عصر الاتصالات لم يدع مجالا للشك في قدرة «ضغطة الزر» على تشكيل الاهتمامات والانتماءات رغما عن قرية العالم التي تصغر يوما بعد يوم، ومن ساوره الشك ليشاهد ميسي وهو ينطق بلساننا في إعلانه «طعمه لزيز»!. [email protected] للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 128 مسافة ثم الرسالة