كانت الحكايات القديمة هي المنبع الذي يستقي منه مرشود الحافي حكمه، وهي المضاد الثقافي الذي يواجه به ثقافة العصر الجديد، لكن مرشود وهو يقص الحكايات على أبنائه يقدم تجاربه دون أن يقصد أو يشعر أنه يقدم مصلا ثقافيا ضد حمى العصر. كان مدفوعا برغبة منه في أن يعيش أبناؤه الحياة كما عاشها، وأن يستلهموا روح التجارب؛ لأنها أبقى في اعتقاده من الورق الذي يعلمهم أشياء جديدة ويضعهم في زاوية ضيقة هي زاوية التلقين فحسب. لم يكن مرشود يقول هذا الكلام، وإنما كان يفعل ويقص الحكايات والتجارب التي تقول مثل هذا الكلام وأبعد من هذا الكلام. في إحدى حكاياته كان يؤكد أن التجربة خير برهان، وأن نساء الزمن القديم كن لا يقدمن على الزواج إلا بعد التجربة، الأمر الذي جعل تلك الفتاة تضع شروطا تجريبية لثلاثة شبان تقدموا لخطبتها من أبيها حين قالت: لن أتزوج إلا من أثق به للمستقبل البعيد! وحين سألها أبوها: وكيف تستطيعين معرفة المستقبل البعيد وهو مخبوء عن عينيك؟ قالت: التجربة هي الجسر الذي نعبر من خلاله إلى الزمن المخبوء. وأضافت: أريدك أن تختبر هؤلاء الشبان واحدا تلو الآخر في رحلة نستطيع من خلالها أن نرى وجوههم الحقيقية خلف هذه الأقنعة التي يرتدونها! وكيف ذلك؟ دعهم يسبقونا إلى مكان تحت شجرة الوادي الذي في شرق القرية وهناك ستقرأ ملامحهم جيدا! وصل الشاب الأول وفور وصوله هيأ مكانا له وحده وترك ما حوله دون أن يلتفت إليه، بينما وصل الثاني فهيأ المكان له ولهما معا، أما الثالث فإنه لم يفعل ما فعله صاحباه وإنما هيأ المكان لكل من يعبر من هذا الطريق ويستظل تحت هذه الشجرة! فلما رأت ما رأته بصحبة أبيها نظرت إليه وفي عينيها تفاصيل كل الوجوه التي كانت تنتظر إزاحة أقنعتها وقالت: أظنك قد أدركت الآن ما هو مخبوء من مستقبل هؤلاء الشبان! رد عليها مستبعدا ذلك: لم يظهر شيء بعد، فنحن لا نزال في بداية الرحلة!! فقالت بلغة النصر والثقة: بل نحن في نهايتها قبل أن تبدأ، وقد كشفت الأمكنة ما هو مخبوء في رحم الأزمنة فهل لا تزال تنتظر شيئا بعد الذي رأيت؟ وما الذي رأيت أنت؟ قال لها، فقالت: لقد كشف كل شاب عن طريقته في الحياة ولم يفطن إلا واحد منهم إلى أن هذه الشجرة هي سر الحياة وهي سر العطاء حين تمد ظلها لعابر السبيل دون أن تنتظر منه شكرا. لقد كان الشاب الأول أنانيا قصير الظل، بينما كان الثاني مغلقا على مجتمعه الصغير ذويه وأقاربه حين لم يتسع ظله لأكثر من ذلك، أما الثالث فكان رجلا بحجم هذه الشجرة يمد ظله للآخرين دون أن يفكر في حسابات هذا الظل كم سيأخذ منه؟ ومن الذي سيأتيه غدا؟ عند ذلك قال أبوها وعلى وجهه تبدو علامات الرضا والابتهاج: لابد أن الثالث هو الذي نال حظوتك فهو الأوسع ظلا والأضمن مستقبلا! أجابت بنفس مطمئنة: أجل هو بعينه، فالمرأة تستدل على مستقبل زوجها بحجم ظله. ظل الرجل يا أبي هو مستقبله وهو زمنه المخبوء الذي يكشفه نور البصيرة لا البصر، ولذلك أردت أن أختبر هؤلاء الثلاثة تحت ظل شجرة معطاءة؛ لأرى كيف يهتدون بها؟ وكيف يفهمون الحياة من حولهم؟. قال مرشود الحافي بعد أن ساق حكايته بكل تفاصيلها: إن حياتنا يا أبنائي ليست سوى شجرة تمد فروعها لتصافح الناس بها فيقطفون منها الظل والثمر والتجارب العميقة، والناس مع هذه الشجرة أصناف ثلاثة: صنف لا يرى من الشجرة سوى ظلها، وصنف يرى الظل والثمر، وصنف يتجاوز ذلك كله إلى ما توحي به هذه الشجرة من معان مخبوءة خلف الأغصان والثمار وهذا ما جعلني أسوق لكم هذه الحكاية التي تريكم كيف يمكن أن نفهم الحياة من حولنا؟ وكيف نقطف الثمار الحقيقية من أغصان الشجر؟.