موت العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز سلط الضوء على الأهمية التي تربطها تركيا بهذه الدولة الخليجية المهمة، بالرغم من الاختلافات السياسية بين البلدين حول قضايا مثل مصر ودعم أنقرة للإخوان المسلمين. هذه الأهمية لم تمنع الجدال السياسي في تركيا، حيث تساءل العديد لماذا أعلن يوم للحداد للملك الراحل، بينما لم يعلن للعدد الكبير من الأتراك الذين قتلوا في الكوارث الأخيرة، الهجمات الإرهابية، بالإضافة لقتلى المظاهرات. أردوغان الذي كان ينتقد الغرب كثيرًا لدعمه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كان يصمت بشكل ملحوظ عندما يأتي الأمر لانتقاد السعودية، بالرغم من أنها دعمت الانقلاب المصري. أردوغان ابتلع كذلك بعض الكرامة عندما حضر جنازة الملك عبد الله الأسبوع الماضي، مع علمه بحضور السيسي كذلك. بالرغم من أنه يقدم نفسه كداعم كبير للإخوان المسلمين، وفروعهم كحماس، لم يثبت حقيقة أن السعودية وحلفاءها الإقليميين يسعون لتحطيم الإخوان المسلمين والمجموعات الإسلامية المرتبطة بها. حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم يشعر بألفة قريبة نحو الإخوان ويستمر بدعم أردوغان بصناعته للرئيس المصري محمد مرسي كبطل. أنقرة أشارت كذلك إلى أن قادة الإخوان وحماس الذين لم يعودوا مرحبًا بهم في الخليج، مرحب بهم في تركيا. بالرغم من دعم الإخوان المسلمين، خبراء السياسة الخارجية التركية يقولون إن تركيا ستحافظ على مسعاها الواقعي نحو السعودية العربية في حكم الملك سلمان، بالرغم من الاختلافات الموجودة. الخبيرة نباهات تانريفيري من مركز دراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية الموجود في أنقرة، على سبيل المثال، لا تتوقع تغيرًا في سياسات السعودية، التي تنظر لحركات مثل الإخوان المسلمين كتهديد، قائلة: "دعم السعودية لمصر ليس قائمًا على الشخصيات، بل على منظور التهديد"، مضيفة أن: "مصر تفاوض الآن من أجل أسلحة متقدمة من روسيا وفرنسا سيتم تمويلها من السعودية والإمارات"، في إشارة إلى أن مصر ستظل بلدًا مهمًا للرياض بالنسبة لأمنها. أردوغان وحزبه ينظرون للإخوان كخلاص لمستقبل الشرق الأوسط، ويعون أن أي انتخابات ديمقراطية في المنطقة ستنتج حكومات يقودها هذا التنظيم. هذا ما يخفيه غضبهم من رؤية الإخوان يتحطمون في مصر. لكن، هناك واقعية سياسية إقليمية على أنقرة مراعاتها، بالرغم من خطاب أردوغان الغاضب نحو الدول الغربية لدعمها السيسي وحكومته. هذا يمنع أردوغان من انتقاد دول مثل السعودية، بالرغم من أن دعم السيسي من هذه الدول أكبر بكثير مما يتلقاه من دول الغرب. نقاد أردوغان يقولون إن هذا تناقض فج لأردوغان، إلا أن محللين مثل برهان الدين دوران، المنسق العام لمؤسسة الأبحاث السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أنقرة يعتقد أن هناك أسبابًا راسخة تحدد موقف أردوغان. قال دوران إن: "تركيا والسعودية انتهتا بدعم مواقف مختلفة بحسب الترتيب الإقليمي الذي أراداه بعد الربيع العربي، وهذا واضح في مصر. السعودية كذلك ليست راضية من دعم تركيا للإخوان المسلمين، إلا أنه ليس هناك توترات بين البلدين"، مضيفًا أن "السبب هو أن هناك استقرارًا في السعودية. تحترم تركيا السعودية كقوة إقليمية، وتدرك أهميتها كداعم نفطي، ولمكانتها الدينية". وأشار دوران إلى أن تركيا تجد من يحاورها في السعودية بالرغم من الاختلافات، خصوصًا أن أنقرة لا تملك سياسة مبنية على تشجيع الديمقراطية أو تغيير النظام. وقال دوران إن: "تركيا تأخذ موقفًا حازمًا عندما تبدأ الأنظمة بالمواجهة العنيفة لشعوبها. هذه ليست الحالة في السعودية"، مضيفًا أن الحالة ستتغير إذا ظهرت ظروف شبيهة بمصر أو سوريا في السعودية. الإدراك المتبادل للأهمية الإقليمية للطرفين من بعضهما البعض يضمن في النهاية أن العلاقات بين تركيا والسعودية شديدة، حتى لو افتقدت القرب الذي قد يكون لو لم توجد الاختلافات في مصر، أو الإخوان المسلمون، أو امتدادها إلى سوريا، حيث يرغب أردوغان وحزبه في النهاية برؤية حكومة من الإخوان هناك. في التحليل الأخير، موقف تركيا من السعودية ليس مختلفًا عن موقفها من الغرب، بناء على الواقعية السياسية. البلدان الغربية تحافظ على علاقات جيدة مع السعودية وتحاول الحفاظ على العائلة السعودية في الحكم لأسباب استراتيجية مرتبطة بالاستقرار وحسابات تتعلق بالنفط، بالرغم من غياب الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان هناك. دبلوماسي غربي في أنقرة، فضل عدم الكشف عن نفسه لحساسية مكانه، أشار ل"معضلة أردوغان" بخصوص السعودية، قائلًا: "إن أردوغان يستاء بوضوح من كل أولئك الذين يحاولون تجريم الإخوان المسلمين ويدعمون السيسي، ويجعل هذا واضحًا في خطاباته، إلا أنه يفهم أن النظام السعودي محور مهم ضد احتمال الفوضى في بلد خصب الأرضية لانتشار الأيديولوجيات السلفية المتطرفة كالنار في الهشيم بين الشباب الناقم، مما يزيد عدم استقرار الشرق الأوسط أكثر". هذه المعضلة تقول إن ازدواجية المعايير من أردوغان ليست شيئًا ستغض المعارضة الطرف عنه، بالنظر للتنافس الحاد الذي يميز السياسة المحلية التركية الآن. إعلان أردوغان ك"ملكي أكثر من الملك"، من أوموت أوران النائب البارز في حزب الشعب الجمهوري فجّر النقاش حول إعلان يوم الحداد على الملك الراحل، مشيرًا إلى أن هذا لم يحصل في السعودية. الوهابية المحافظة، الفلسفة المؤسسة للسعودية، تمنع إعلان الحداد. أشار أوران كذلك إلى أن الملك السعودي رفض زيارة ضريح مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية العلمانية، عندما زار تركيا في 2006. وقال أوران في اجتماع للحزب في محافظة تونسلي الشرقية إنه "من غير المحتمل لي ولحزبي أن نقبل إعلان يوم حداد من رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو وأردوغان لشخص تعامل مع شخص عزيز علينا بهذه الطريقة". وعدد أوران مجموعة من الحوادث لموت أتراك في السنوات الأخيرة، بما فيها موت 34 مدنيًا تركيًا من أصول كردية بطائرات تركية في كانون الأول/ديسمبر 2011 قرب البلدة الحدودية أولودير ظنًا أنهم إرهابيون، والسيارة المفخخة المرتبطة بسوريا في بلدية الريحانية في أيار/مايو 2013 التي أدت لمقتل 50 شخصًا. سأل لماذا لم يعلن حداد عام، برفع نصف علم، في هذه الحالات. اعتراضات أوران، التي كررها الكثيرون، مرتبطة بالسياسة المحلية. عندما يأتي الأمر للسياسة الخارجية، يبدو أن توجه أنقرة نحو السعودية سيظل واقعيًا، أكثر مما يقوم على "الخط الأخلاقي" الذي يسعى أردوغان وحكومته للعمل عليه مع بلدان أخرى.