إن ما يُثار من قضايا فكرية أو ثقافية، من حين إلى آخر، هي في واقع الحال سليلة أهداف وغايات سياسية، ومن ثم فإن التعاطي مع تلك القضايا، يقتضي استحضار المشهد السياسي من جهة، واللحظة التاريخية الحاضنة له من جهة أخرى؛ إذ سيكتشف القارئ إذا استند إلى هذا الشرط أن الأمر كله في الأصل هو "معركة سياسية"، بين أطراف لها أحلام ومشاريع، قد يكون بعضها حسن النية، بيد أن أكثرها يضمر في نفسه نيات غير حسنة، تجاه الأطراف الأخرى التي تخالفه الرأي أو العقيدة. وتأسيساً على ما سبق أيضاً فإن التعاطي مع بعض المفاهيم، مثل: الحضارة (أو التحضر)، والنهضة (أو التنوير)، و الاستنارة (أو العقلانية)، و حقوق الإنسان أو حقوق المرأة أو حريتها، وافتعال خصومة بين منهجي النظر (العقل والنقل) مثلاً، قد تبدو للبعض محض "اشتباك فكري" بريء من أية غايات سياسية، وقد يراها البعض الآخر"ترفاً" لا طائل من ورائه، وإن المثقفين ينبغي لهم أن ينشغلوا بالبحث عن أزمات المجتمع "الحقيقية"، مثل: الإدمان والبطالة والعنف وأزمة الإسكان والأمية وما شابه..!! وواقع الحال أن الأزمات الأخيرة وغيرها من أزمات هي نتاج مشروع سياسي قائم، ويستند إعلامياً على الأقل إلى فلسفة فكرية وثقافية، تستقي قوامها من المنظور الغربي لعدد من المفاهيم مثل التي ذكرناها من قبل (الحضارة، التحضر، حقوق المرأة، التنوير، العولمة، حرية السوق...الخ)، ومن ثم فإن مناقشة هذه المفاهيم (الأخيرة)، هي في واقع الحال قراءة حتى وإن بدت غير مباشرة لصلب العقيدة السياسية التي تتبنى هذه المفاهيم، و أفرزت في النهاية تلك الأزمات. وفي هذا الإطار أيضاً شهدت مصر على سبيل المثال عدداً من المعارك الفكرية الكبرى، اتشحت بوشاح "ثقافي" حيناً، و بمظاهر "أكاديمية" حيناً آخر، اشتبك فيها إسلاميون "بتلقائية"، و علمانيون "بسوء نية"، و على الرغم من أن الثقافي أو الأكاديمي منها لم يختف، باعتباره "أصل الأطروحة"، المثيرة للفتنة، إلاّ أنه لم يلبث كل طرف أن أفصح عن "أجندته السياسية"، بيد أن الخبرة المصرية في هذا الإطار أفصحت عن أن ثمة تباينات بين الطرفين فيما يتعلق بممارسة السياسة من خلال الثقافة. ففيما كان الإسلاميون بحكم تقاطع و تداخل ما هو ديني (كمعطى ثقافي بحسب المفهوم العلماني على الأقل) مع كل ما هو دنيوي (بما فيه السياسي) في الخبرة الحضارية الإسلامية ينزعون في عفويتهم إلى المباشرة و الشفافية السلوكية، استناداً إلى أطر و ثوابت شرعية حاكمة لهذا السلوك، و حاضنة له و تعصمه مهما كان حجم الابتلاءات و الأزمات من الانزلاق نحو "المكيافيلية"، فإن العلمانيين يقفزون على "النص"، و على مشروعيته العلمية أو الأخلاقية، لا يقفون عند هذه "المشروعية" طويلاً؛ إذ إن الأصل عندهم أن "لا مشروعية" إلاّ لكل ما يمكن توظيفه في خدمة "الغائية العلمانية" التي قد تبدو للبعض أن ولاءها في الظاهر لأيديولوجيتها المعروفة: فصل الدين عن الدولة.