من أقوى التحديات التي تواجه كتاب الدراما أو المسرح بشكل خاص (مسرحة التاريخ)، أي تحويل التاريخ وأحداثه وحكاياته إلى دراما حية، يتم تجسيدها سينمائيا أو تلفزيونيا أو مسرحيا، وتأتي الخطورة من كون التاريخ مادة معروفة وموثقة وحساسة أيضا، وبالتالي فهي التي تفرض شروطها الصارمة على الكاتب الدرامي لا العكس، بينما يعتقد الكثيرون اعتقادا خاطئا بطواعية المادة التاريخية وخضوعها لسلطة الكاتب. وبالمناسبة مثل هذا الاستسهال والتبسيط هما ثقافة انتشرت في مجتمعاتنا الشرقية مؤخرا، حتى أصبحت فوضى التخصص لعبة من لا لعبة له، فالكل يستسهل كل شيء، ويجد نفسه قادرا على فعل أي شيء،، فلا غرابة أن تقابل مسؤولا ما لا يتورع عن كتابة الشعر لا لأنه شاعر بل لكونه مسؤولا، أو كاتبا مبتدئا سمع عن الرواية فاستسهل كتابتها، ويعود هذا الخلط إلى قلة وعينا بأهمية التخصص وجدواه في تحقيق التميز وبلوغ الجودة، تماما كأن يعتقد البعض أن ملامسة التاريخ دراميا والخوض في غماره دونما خبرة أمر يسير. أن مدار حديثي هو مسرحة التاريخ أقول: إن تحويل المادة التاريخية التي تكتنزها الكتب إلى مادة تفاعلية حية عبر الدراما أو غيرها لها من الحساسية ما لها، ويكفيها من الخطورة أنها تتداخل مع ما هو اجتماعي وما هو ديني وما هو ثقافي ومع ما هو معاصر ومعاش، وبالتالي هي عملية تتطلب الكثير من الحرص والدقة والحذر، وهي بحاجة إلى تمحيص للتاريخ وفرز لمرجعياتهولأن مدار حديثي هو مسرحة التاريخ أقول: إن تحويل المادة التاريخية التي تكتنزها الكتب إلى مادة تفاعلية حية عبر الدراما أو غيرها لها من الحساسية ما لها، ويكفيها من الخطورة أنها تتداخل مع ما هو اجتماعي وما هو ديني وما هو ثقافي ومع ما هو معاصر ومعاش، وبالتالي هي عملية تتطلب الكثير من الحرص والدقة والحذر، وهي بحاجة إلى تمحيص للتاريخ وفرز لمرجعياته. عمليا واجهتني ككاتب هذه العقبة والصعوبة أثناء كتابتي للملاحم التاريخية الثلاث في مهرجان سوق هجر الأول والثاني والثالث، فلم يكن بالهين أو اليسير تجسيد حقبة بني عبدالقيس الذين قطنوا هجر القديمة، فالكاتب المسرحي سيواجهه حدث لقاء وفدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، كأول الوفود التي اسلمت طوعا، وسيواجهه حدث حروبهم مع قبائل أخرى، وهي أحداث تضع الكاتب الدرامي أمام مسؤولية التجسيد ومسؤولية الاقناع ومسؤولية الأمانة التاريخية. وتبلغ الصعوبة ذروتها في سوق هجر الثالث الذي اسدل ستاره الخميس المنصرم بقصر إبراهيم الأثري، وكان التاريخ المستهدف للتجسيد الدرامي حقبة مدينة (الجرهاء)، المدينة المفقودة، فاختلاف المؤرخين حوله موقعا وأحداثا يضعك ككاتب أمام حيرة ومسؤولية، حتى كلفتني من الوقت في دراستها قرابة الثلاثة أشهر، فانتهيت إلى صعوبة أن تستعرض كل هذا التاريخ، لتظهر أمامي إشكالية أي الأحداث من تاريخ الجرهاء يتسق مع الدراما أكثر ويناسبها، فاستقر الرأي على طمع القادة العظماء فيها نظير دورها الاقتصادي وموقعها الاستراتيجي، ولتكن ملحمة الإسكندر المقدوني مع الجرهاء المدينة المفقودة. انتهي من هذا كله إلى غرض مهم، هو أن مسرحة التاريخ لا تنتهي باصطياد الفكرة المناسبة أو الحدث الأنسب كما يظن البعض، فتلك هي بداية القلق، أما الخطوة الأهم فتكون الترجمة الدرامية لها، بتحويلها من فكرة ذهنية مجردة إلى عالم درامي نابض بالحياة والتشويق، وهي ما نسميه بمرحلة ابتكار الحيل الكتابية الفنية، القادرة على اختزال الأزمنة والأمكنة والأحداث، ووضع كل هذا التاريخ العريض الطويل في فترة درامية لا تتجاوز الساعة تقريبا، ومن أجل أن تتحقق فائدة أعظم هي نقل التاريخ بأحداثة ومعلوماته إلى الأجيال المتعاقبة عبر بوابة الدراما ومتعتها التي لا تنتهي في مهرجاناتنا القريبة من الناس. dr.sami aljaman