من المؤسف للغاية، أن يطالع المواطن العربي، على كل هذا النزيف والدم الذي يراق على الأرض العربية، بيدٍ عربية هذه المرة، لا بيد إسرائيل التي كانت تستبيحنا من الوريد إلى الوريد. الضحايا هم الضحايا، والقتلى هم القتلى، والدم هو الدم، سواء في تونس التي بدأت منها الشرارة، أو في القاهرة، التي أيقظت المشاعر والأحاسيس، أو في بنغازي وأجدابيا، وراس لانوف وغيرها من المدن الليبية، التي تنزف دماً وحصاراً وقتلاً، إلى ما يحدث في ساحات التغيير في صنعاء وعدن وأبين. وصولاً إلى درعا في سوريا. التوقيت المتزامن لهذه الانفجارات المتتالية، يكشف حجم الأزمة التي يعيشها المواطن العربي، الذي خدع طويلاً ولأكثر من نصف قرن، بشعارات الثورة، والتحرير، والقومية، فاكتشف في النهاية، أنه استبدل الاستعمار الخارجي، باستعمار داخلي، لا يقل وطأة وضراوة. للأسف، لم تنجح شعارات الثورة والقومية، ودعوات المسيرات والأغاني الصاخبة، في أن تقدم للمواطن العربي في أي مدينة أو دار أو حارة أو «زنقة زنقة» كما يقول العقيد الليبي، البديل عن شظف العيش، لم تقدم له المأكل المناسب، ولا المسكن المناسب، ولا الوظيفة أو فرصة العمل الكريم، ولا حتى البيئة الصحية التي يحيا فيها بعيداً عن الرشوة والفساد والمحسوبية. اكتشف المواطن العربي، بعد كل هذه السنوات، أن ما تحقق باسم الثورة، لم يكن إلا في مصلحة طبقة ضيقة جداً، استولت على كل شيء، ولم تترك حتى الفتات، انتفخت كروش وجيوب بعينها، فيما جحظت عيون وترهّلت أبدان في جهة أخرى، فكانت المأساة التي نشهد جزءاً منها هذه الأيام. اكتشف المواطن العربي، أن كل الخطب والكلمات، ليست كافية لأن تكون وجبة إفطار أو تحل بديلاً عن رغيف الخبز، واكتشف أيضاً أن كل ما تحدثوا عنه لم يعد صالحاً أو نافعاً، لبناء حياة كريمة. علينا كعرب، أن نفكر ، وكما دعا مجلس الوزراء أول أمس، في إطار عام يوقف نزيف الدم، الذي يسيل بين حين وآخر، لا بدّ من الحفاظ على أمن الشعوب، ومكتسباتها وإنجازاتها وثرواتها التي يأتي الإنسان في مقدمتها.. لا بد من البحث عن عقد اجتماعي، يحفظ لبلادنا العربية وحدتها واستقرارها، يكفي شعوبنا أكثر من نصف قرن من الشعارات والأيديولوجيات الفارغة.