قليلةٌ هي تلك الشخصيات التي تبقى ذكراها عبيراً خالداً على مر الزمان، ذلك القائد طيب الله ثراه من أعظم الشخصيات التاريخية التي ظهرت خلال القرن الماضي، حيث صُنِّف بأنه أقوى حاكم عربي في الأمة العربية خلال المائة عام الماضية. قاد الأمة في أحلك الظروف، فئات متناحرة، تقاليد جاهلية استطاع بتوفيق الله القضاء عليها ونشر مفهوم الدولة من خلال الالتفاف الاجتماعي، جمع التشتت وأسّس دولة الشموخ فصهرهم في بوتقة تعاونية واحدة يسودها الود والانتماء والولاء وبغرس حب المواطنة شكل وطناً قوياً بكامل أركانه فأمطرت له -رحمه الله- السماء ذهباً بقدرة الله وفضله. من صحراء جرداء قاحلة لصحراء تنتج الذهب. وضع نواة لانتشار العلم ففتح المدارس الابتدائية ووطن البادية وفتح لهم المدارس واليوم شبابنا بعلمهم يرفعون رءوسنا في العالم كله. استطاع بإيمانه بربه -يرحمه الله- وعبقريته وبصيرته الفطرية وتفكيره المستنير بناء دولة عظيمة على جميع المستويات، وتتبوأ الآن موقعاً متميزاً في جميع المحافل العربية، والإقليمية، والدولية، بل أصبحت رقماً صعباً بين دول العالم كافة، كل هذا يبرهن على المكانة الكبيرة للمملكة العربية السعودية التي أسسها المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز ورعاها أبناؤه البررة من بعده، على الأسس والمبادئ التي وضعها طيب الله ثراه. تاريخه رحمه الله لا يقتصر على جوانب الكفاح وانجازات التوحيد والبناء فقط، وإنما يتضمن جوانب كثيرة عن شخصيته الإنسانية. نحن أمام شواهد لا شعارات، رجل يشهد له التاريخ والعالم، هذا هو الإعلام الغربي يبرز بطولته الخارقة، وأيضاً المستشرقون وثّقوا أدق التفاصيل عنه رحمه الله، سأذكر شيئاً منها: (مجلة لايف) life الأمريكية، أجرت مقابلة مع الملك المؤسس في 31 مايو 1943م أظهرت أهمية تلك الشخصية السياسية، مع عنوان كبير على غلاف المجلة الأمريكية: ابن سعود «ملك صنع مملكة». المجلة وصفت الملك المؤسس بأنه أحد أقوى الرجال في عصره، حيث أنجز عملاً عظيماً لا مثيل له في تلك المرحلة الحرجة، في وقت كانت تدور فيه رحى الحرب العالمية الثانية. أما المستشرقون فقد انبهروا بشخصية المؤسس، وأطلقوا عليه عدة ألقاب من أهمها ماقاله المستشرق الفرنسي عن المؤسس انه «فهد الصحراء» و«سيد الجزيرة العربية». ووصفوا أعماله -طيب الله ثراه- بأعمال أسطورية لا يمكن أن يتصورها العقل، وهذا رأي المستشرق أنتوني ناتنج: «إنها من أكبر المعجزات بكل المقاييس العلمية»، وان توطين البدو «أكبر عملية توطين في التاريخ». ووصف المستشرق «موريس جورنو» الاستقرار والأمن الذي أنجزه الملك عبدالعزيز بأنه «جعل الجزيرة العربية البلد الأكثر أمنًا في العالم» بالفعل والعالم يشهد. نحن ولله الحمد في نعمة من الأمن والأمان من تاريخ التوحيد والتأسيس وحتى تقوم الساعة بقدرة الله. كما وصف «جورج أنطونيوس» الملك عبدالعزيز بأنه «مَن تمكن من القضاء على النزعة القبلية، وجعل الانتماء للوطن بدلاً من القبيلة، ووصف المستشرق ك.س. تويتشل الخبرة السياسية للملك عبدالعزيز قائلاً: «إنه من أشهر رجالات العصر، ولم يجتمع للعرب في الجزيرة العربية تحت رجل واحد ما اجتمع لابن سعود منذ زمان طويل». «كينيث وليامز» في كتابٍ له صدر سنة 1933م قال: «هل بين ملوك المشرق من يضارع ابن سعود؟، لا أذكر حاكمًا قويًا يخشى الله قد وصل إلى مكانة هذا المليك، فلا شك أنه لا يعدله ملك في العالم الإسلامي؛ فهو الجندي الباسل والمصلح الكبير، والمخلص لدين الله، والإنسان الكريم الصريح الثابت، الذكي الشجاع المتواضع». وإسهامات المستشرق البريطاني سانت جون (عبدالله) فلبي - كتب كثيراً عن الملك عبدالعزيز باللغة الإنجليزية، وترجمت بعض كتبه إلى اللغة العربية، ومنها: الجزيرة العربية، أيام عربية، قلب الجزيرة العربية وغيرها. التاريخ حافل بالسيرة والمسيرة العطرة.. وليس لي إلاّ أن أقول: ليجز الله المغفور له مؤسس هذه البلاد، الملك عبدالعزيز وأبناءه البررة الكرام خير الخلف لخير السلف خيرا، وليجعل كل أعمالهم في ميزان حسناتهم، وأدام الله عز الوطن واستقراره وأمانه.