تُعتبر الفنانة اللبنانية الكبيرة جنان الخليل واحدة من أهم الفنانات الناشطات في المحترف التشكيلي اللبناني والعربي اليوم.. ففي كل مرة تعرض فيها اعمالها تفاجئ المتابع برؤيا مدهشة ومميزة.. وعلى الخصوص عندما تصور عوالمها وتاريخ ذاكرتها الفنية بالناس والمدن والتي تضج بالحياة والديناميكية.. وآخر ما تقوم به الفنانة أنها تشتغل على أول ديوان شعري لها، وستقوم الفنانة بكتابة ورسم 50 نسخة فقط.. دون ان تستخدم الطباعة.. وكل نسخة ستكون عملاً فنياً مدهشاً بحد ذاته!. والفنانة جنان تحمل درجة الدكتوراة في الفن التشكيلي من جامعة السوربون في فرنسا عن اطروحتها حول تكنولوجيا اللون.. وكانت الفنانة قد حصلت على شهادة الدراسات العليا في الرسم والتصوير بعد دراستها لهندسة الديكور في الجامعة اللبنانية في بيروت. وأقامت الفنانة العديد من المعارض الجماعية والفردية في العالم العربي وأوروبا. اشتركت ببيناليات عربية وفي بينالي البندقية، وأعمالها الفنية الخاصة مقتناة لدى متذوقي الفن في لبنان والدول العربية وفرنسا وألمانيا، وهي صاحبة دار ورد للطباعة والنشر في بيروت. الحوار: حرية للتعبير أولا دعيني أعبر لك عن إعجابي بتجربتك والتي أعتقد أنها تجربة مميزة في المحترف التشكيلي اللبناني وعلى المستوى العربي.. أريد في البداية ان تحدثيني عن الارهاصات الأولى لموهبتك في الرسم، كيف بدأت؟ ومنذ متى غرقتِ قي هذا الهوس المسمى الفن؟ * من فن الديكور تحولت إلى الرسم لأنني وجدت فيه حرية للتعبير عن مدلولات كثيرة، حيث الديكور يتقيد بالمعايير الهندسية ويكون للأسف الشديد بما يراه المتلقي، أقصد بصاحب المشروع ما يتناسب مع ذوقه، أما الرسم فهو بدعة للذات ومتنفس للروح. الرسم وحده يملأ هذا الفراغ الرهيب في الحياة، لكن له طقوسه ايضا، فلا أستطيع الرسم وانا حزينة مثلا، أو أشعر بالضجر من الامكنة التي فيها ذكريات.. في بيروت وأنت تفتش عن تلك الذكريات كأنك في وهم ان من رحلوا سيأتون الآن!! حكاية الزمن في بيروت والعمر مع الاحبة حين الحلم يشبه اضغاث الأحلام. تشبه الأقاليم ربما تتلبسك حالة ما فتخرج لوحة أو ربما كتابة! ألاحظ في معظم لوحاتك المرأة تحضر اكثر من الرجل!! أليس في الرجل ما يغري أكثر بالرسم؟ * دائما ارسم جنان.. كل النساء في لوحاتي تشبهني، تشبه الأقاليم التي خضتها في الحياة.. لكن الرجل يبدو ظلاً بالنسبة لي.. هو موجود في خلفية بعض اللوحات لأنني ارسم ما عشته في حياتي بشكل عام. أعتمد المصداقية الرجل ظل في لوحاتك وبطلة لوحاتك هي أنتِ.. في كل فن هناك استشراف لمستقبل غير منظور.. رؤية الفنان الخارقة للمستقبل هي التي ترى.. ألا تكابدين رؤية يكون للرجل وجود قوي في لوحاتك؟ * حين أرسم حالتي الحقيقية بصخبها وبهدوئها وبجنونها.. برحلها وترحالها ووحيدة من منفى الى آخر.. بلا رجل حتى يحمل حقيبتي او يطبطب على كتفي أو حتى يزورني في الحلم!! كيف أتخيل المستقبل مع هذا الكائن الافتراضي اللاوجودي؟ كيف أخلده في اللون؟ كيف أرسمه غير ضباب أو رذاذ من الغبار.. الحياة في العمل الفني اصعب من الحياة الوجودية، لذا أعتمد المصداقية في أعمالي الفنية. حقوق المرأة مؤسف حقاً.. حين طبعت مجموعتي الشعرية "تميمة الرماد" سألني أحد الأصدقاء "أين يمكن أن تجد المرأة التي تصورها قصائدك؟ فقلت أصور المرأة كما احبها أن تكون.. وهذه احدى وظائف الفن.. الرؤيا إلى أبعد من الواقع.. ألم تفكري أن تصوري الرجل كما بطلك الذي تحبين أن يكون؟ في معارض سابقة، صورت الرجل.. أما رؤيتي للرجل بشكل عام فكل ما كنت اتمناه منه الصدق والسلام الداخلي.. ليست لي متطلبات الأنثى.. فأنا ولدت كما يقال امرأة مكتفية معنويا وماديا، لذا عشت في حياتي لا اعرف ان أطلب حقوق المرأة من الرجل وهذا سبب رئيسي من طرفي بخلل العلاقة بين الطرفين.. اليوم أقول إن على المرأة ان تعرف كيف تأخذ . جرأة اللون أنتقل لأتحدث عن تعاملك مع اللون في اللوحة.. أرى أنك ملونة قوية لا تخلو لوحة لك من الألوان الرئيسية.. ولم أرَ لك ولو لوحة واحدة من نوع المونوكرومي.. إلى ماذا تردين ذلك؟ إلى البدايات؟ إلى معلميكِ الأوائل؟ أم ماذا؟ ربما عرف عني جرأة اللون منذ بداياتي، أو كما قال يوما الشاعر صلاح ستيتية انني بركان متفجر من الألوان، أو كما وصفني نزيه خاطر: أسطورة اللون! اللون بالنسبة لي كالماء في الحياة.. والطبيعة لون، والبشر لون، وكل ما على الحياة لون! لكن اعمل على اللون الواحد كثيرا في اعمال تندرج بلون واحد، وهذا بحسب تطور اُسلوب العمل. منذ الجامعة، لم أتأثر بأحد، وكنت استمع الى نصائح كبار الفنانين، لكن حين اجلس مع العمل أنسى كل ما سمعته وأرسم بإحساسي الخاص.. ولذا أعمالي تشبهني وحدي، فلا أستطيع ان اقدم معرض لوحات متشابهة! أشعر كما المشاهد بالملل! لذا أعتمد على وضع المرحلة كما هي دون تعريب لمجموعات متشابهة. المساحة مفتوحة هذا صحيح.. لقد لمست مقدرتك الفائقة في التعامل مع اللون.. ولكن لوحاتك تصور عوالم غنية بالناس دون اللجوء للمشهد الطبيعي أو الطبيعة الصامتة أو ما شابه.. هل تظنين أن أي لوحة ينبغي أن تطرح عوالم غنية.. أو ربما أن تمثل مشهدا بسيطا؟ هنا في عالم الفن المساحة مفتوحة.. اعتقد ان لكل فنان مفاهيمه الخاصة التي يجسدها! ربما نستطيع ان تختزل بنقطة أو دائرة، هذا يعود للعامل المحرك في دواخلنا.. الآن مثلا في الديوان الشعري اعتمد على التبسيط في الاعمال الفنية، ربما لأن الكلمة هنا تتشكل مع الرسم فتوصل ما أودّ إيصاله ببساطة مطلقة. هل ترسمين أعمالا لديوان شعر؟ انه الديوان الاول لي بخط اليد ولوحات فنية اصلية سيكون 50 نسخة فقط! أنا الآن أتفرغ لهذا المشروع.. هو بكل تواضع عمل اجد نفسي انه يشبهني. لا أخطط أبدا جنان.. كيف تبدأين العمل الفني.. تخيلي نفسك أمام المسطح الابيض والألوان إلى جانبك؟ فهل تبدأين بتخطيط أولي أم تبدأين بالألوان مباشرة.. هل يكون تصورك للعمل جاهزا أم يتطور العمل مما يتولد في لحظة العمل؟ لا أخطط أبدا.. اعرف ماذا اريد من المساحة البيضاء التي امامي! أصابعي هي التي ترسم وتلون.. بعدها يأتي دور المخيلة! أسميها الرقيب كي تقول لي أين ممكن ان أضع أو ألغي رمزاً او لوناً.. لا تنس ان الخبرة تجعلك تعرف ما تريد من العمل الفني.. ولا تنس ان كل شيء يبدأ في اللحظة وننتهي في اللحظة. لا أوقع أعمالي من متابعتي الطويلة للفنانين التشكيليين، حدث مرة أن أحد الفنانين ترك لوحة شهراً على الحامل، وكل يوم كان يتأملها وسألته قائلا: إن اللوحة تبدو لي أنها انتهت.. لماذا لا توقعها وتنهيها؟ قال لي: لا اعرف، لكني لا أظنها انتهت.. هناك شيء ما فيها احاول اكتشافه وتعديله.. وبعد مرور ما يقارب الشهر رفعها، وكان قد وقعها وقال لي الآن قد انتهت!! هل يحدث شيء مشابه معكِ؟ انا لا أوقع أعمالي طالما هي بالمرسم، إلا اذا بعت العمل او عرض.. دائما اشعر كلما عدت اليهم ان هناك تعديلا ما ربما هاجس إلى ان يخرج العمل الى النور!. وهذه أهم سمة في الفنان الحقيقي!!! نحن نرسم لنمتع أنفسنا أولا، ومن ثم نعتمد على اخراج العمل الى متذوقي الفن!. من اعمال جنان الخليل وعمل آخر لجنان الخليل إحدى لوحات الفنانة