انتهى معرض الرياض للكتاب، وعاد المتسوقون بغنائمهم من الكتب، وشيئاً فشيئاً ستختفي من مواقع التواصل الاجتماعي عبارة ( حصيلتي من المعرض ) المصحوبة بصور مزدحمة بالإصدارات. ليُستأنف السؤال عما وعمن سيقرأ كل تلك المشتريات؟ وهو سؤال لا يتعلق بمعارض الكتاب فقط، بل بما تشكله القراءة كقيمة وسلوك في المجتمع. حيث تتضارب الآراء حول منسوب ما تمت قراءته، كما يأخذ التساؤل شكل الاتهام ليصم مجتمعاً بكامله ويخرجه من حقل القراءة، في ظل غياب الدراسات الإحصائية البحثية التي يمكن أن تطرح رؤية ولو تقريبية لما تعنيه القراءة وتشكله في السياق الاجتماعي. وفي هذا الصدد تأتي الدراسة التي أصدرها ( مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي ) بمبادرة أرامكو السعودية بعنوان ( القراءة ومجتمع المعرفة - اتجاهات القراءة وأنماطها لدى المجتمع السعودي ). وهي دراسة مسحية شملت جميع مناطق المملكة، ومن خلال عينات متعددة من جميع المراحل، ابتداء من رياض الأطفال وانتهاء بطلبة الجامعات. كما امتدت للأمهات والآباء والعاملين في مختلف القطاعات، بما في ذلك المتقاعدون ومسؤولو المكتبات الخاصة والمثقفون ورؤساء الأندية الأدبية والناشرون. حيث تم توظيف المناهج الكمية والنوعية في البحث العلمي، عبر سلسلة من اللقاءات والورش والاستبانات، من أجل الوصول إلى نتائج يمكن الاعتداد بها. وقد خلصت القراءة إلى أن 93,7 % من أفراد المجتمع يهتمون بتنمية القراءة الحرة لأطفالهم، وهي نسبة مبالغ فيها تفوق ما يحدث في المجتمعات التي توصف بالقارئة، كما أن الواقع والإحصاءات الدولية تنفيها. فشراء قصة أو كتاب مصور لطفل لا يعني أن الاهتمام الأسري قد أدى دوره، حيث تنفق خمسين بالمائة من الأسر ما يقل عن مائة ريال شهرياً لتوفير المواد القرائية، حسب الدراسة. وبدليل أن الدراسة نفسها تؤكد أن غالبية أفراد المجتمع من الأطفال والكبار يقرؤون كتاباً ورقياً وآخر الكترونياً خلال عام كامل، وأن نسبة ضئيلة جداً الأطفال يزورون المكتبات العامة، وهي نتائج تتناقض مع أرقام المقدمات. أما زيارة معرض الكتاب فتبلغ النسبة عند الكبار 65% خلال الأعوام الثلاثة السابقة، وهي زيارات لا تؤكد على الممارسة القرائية. كما أن موضوعات القراءة نفسها لا تصب في مجرى مجتمع المعرفة الذي تسعى المملكة للتحول نحوه، وتحاول أرامكو السعودية أن تُسهم في جهوده. حيث يبدي الأطفال اهتماماً بكتب المسابقات والألغاز، فيما يهتم الكبار بالقصص والروايات والكتب الدينية وإلى حدود بسيطة بالكتب السياسية والتنمية البشرية. وهي قراءات باللغة العربية غالباً، فهي اللغة المفضلة عند 80,4% عند الأطفال و83,8% عند الكبار، كما كانت الأفضلية للكتب الورقية على الإلكترونية بدرجة كبيرة. أما معوقات القراءة عند الأطفال فتتمثل في عدم وجود مكتبة عامة قريبة من البيت، وانشغال الطفل باللعب، وانشغال الآباء أيضاً عن القراءة لأطفالهم، وامتناع المعلمين عن تخصيص قراءات إضافية للطلبة، وانعدام التنسيق بين البيت والمدرسة. كما أن محتويات المكتبات العامة غير مشجعة، وارتفاع أسعار الكتب، وعدم استمتاع الطفل بالقراءة، وتعذر وجود مكان مناسب للقراءة. وهي الأسباب نفسها بالنسبة للكبار تقريباً، يضاف لها وجود وسائل بديلة للقراءة كالتلفاز والمجالس، وضعف البصر وغيرها من المعوقات التي تؤدي إلى نتيجة مفادها تردي منسوب الاهتمام بالكتاب. كل ذلك يشير إلى بُعد استهلاك المعرفة لدى أفراد المجتمع السعودي، حيث يقبل المجتمع على مشاهدة البرامج التلفازية كالمسلسلات والبرامج الدينية وبرامج الطبخ والمسابقات. كما يبدو الاهتمام بتصفح المواقع الالكترونية أكبر من الاعتناء بالكتاب كمصدر، وهذه النتائج أكثر دقة من تلك المقدمات. فالألعاب الالكترونية بالنسبة للأطفال هي مصدر المعرفة، أما الكبار فيشكل الكتاب مصدر معرفتهم الأول، مقارنة مع المدرسة والجامعة والمسجد ومواقع التواصل الاجتماعي والمؤتمرات والمحاضرات والعمل والأصدقاء والمجالس واللقاءات العائلية والصحف والمجلات والمنتديات والصالونات الثقافية، وهي نتيجة غير دقيقة - في تصوري - أو زائفة. فنحن مجتمع شفاهي، وما تلك النتائج الرومانسية إلا مغالطة لوقائع ملموسة ومعاشة. الدراسة طويلة جداً، حيث تبلغ قرابة المائتي صفحة، وتحتوي على أرقام تفصيلية وموضوعات على درجة هامة، فهي لا تكتفي بفحص اتجاهات القراءة، بل تحاول أن تحفر حفراً أولياً تجاه مجتمع المعرفة، ورصد مؤشرات التقدم في هذا الاتجاه، وعليه، تجادل البرامج القرائية التي تكفل تقوية الأساس والدعائم للمجتمع المعرفي. كما تستقرئ مصادر المعرفة وآليات استهلاكها، وتتأمل مناخ النشر وإنتاج المعرفة المقروءة، لتطرح في النهاية توصياتها في هذا الشأن. وهي دراسة علمية منهجية على درجة من الأهمية كان يمكن أن تكون أكثر دقة لو تعاملت مع موضوع القراءة بصرامة أكثر، ومن موقع الوقائع، لا من منطلق الأماني والرومانسيات. * ناقد