لا يوجد الكثير مما تنزعج منه الحكومة الصينية أكثر من إظهار القوة العسكرية الأمريكية. الأسباب تتراوح على نطاق واسع- من نفور عام لتدخل الولاياتالمتحدة خارج حدودها إلى دعم بكين المتكرر لأنظمة الحكم الاستبدادية. على سبيل المثال، تُعارض الصين بثبات فكرة تدخل الولاياتالمتحدة في سوريا، وفي عام 2011، رفضت دعم العمل العسكري في ليبيا (مع أنها امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن حول قرار السماح بالضربات). لذلك، عندما طلبت صحيفة الصين اليومية المملوكة للدولة، يوم الجمعة الماضي، من وزارة الشؤون الخارجية إعطاء تعليق على تصريح الرئيس باراك أوباما حول الضربات ضد داعش في العراق، ربما كانت قد توقعت إدانة معتادة للإمبريالية الأمريكية. لكنها حصلت على شيء مختلف تماماً. قالت الصحيفة، مقتبسةً عن وزارة الشؤون الخارجية: «إن الصين تدعم حماية السيادة العراقية واستقلالها وسلامة أراضيها، وجهودها المبذولة لمكافحة الإرهاب. والإبقاء على عقل منفتح بشأن العمليات التي تحفظ الأمن والاستقرار في العراق». الرد، وإن كان غير عادي، لا ينبغي أن يكون غير متوقع بالكامل. الصين لديها الكثير على المحك لضمان أن الجهاديين في الدولة الإسلامية لن يستمروا بزعزعة استقرار الشرق الأوسط. بعد يوم من المقال المنشور في صحيفة الصين اليومية، قامت صحيفة جلوبال تايمز الشعبية والمؤثرة المملوكة للدولة بالاعتراف بنفس القدر في افتتاحية تم توزيعها على نطاق واسع. إن صعود داعش، إلى جانب الضربات الأمريكية، يملك تأثيراً محدوداً على الصين. ميزة الصين السيئة هي أن اعتمادنا على نفط الشرق الأوسط يزداد، وبشكل أسرع بكثير من أي بلاد متقدمة أخرى. بعبارة أخرى: ما لم يتم التعامل مع الدولة الإسلامية عاجلاً وليس آجلاً، فإن تأثيرها على الصين لن يكون محدوداً جداً. لكن، كما هو الحال مع ليبيا، المساعدة الأكبر التي يبدو أن الصين مستعدة لتقديمها هي الاستعداد الضمني لعدم الشكوى بشأن تدخل الولاياتالمتحدة وغيرها من الدول في العراق. هذا التردد في الدفاع عن مواردها من الطاقة في الشرق الأوسط بقوة أكبر لم يغب عن إدارة أوباما. خلال مقابلة يوم السبت، ابتسم أوباما بسخرية عندما قام الصحفي توم فريدمان من صحيفة نيويورك تايمز بالإشارة إلى الصين على أنها «أكبر مستثمر للطاقة في العراق». قال أوباما: «إنهم كانوا يتمتعون بالمزايا بدون مقابل. من ناحية أخرى هم كذلك منذ الأعوام ال30 الماضية، وقد نجح الأمر بشكل جيد بالنسبة لهم». حتى لو كانت، كما يبدو أنها كذلك، القيادة الصينية توافق بهدوء على هذه المشاعر، لكنها بالتأكيد لا ترغب بسماعها تُذاع من قِبل رئيس الولاياتالمتحدة. بعد بضعة أيام، قام خبراء الدعاية في البلاد بالرد في صحيفة الشعب اليومية، وهي الناطق الرسمي للحزب الشيوعي. العنوان الرئيسي (الذي كان عبارة عن «واحدة بواحدة») قام بشكل لطيف بتلخيص الانطباع: «يقول الخبراء إن الولاياتالمتحدة هي في الواقع التي تتمتع بمزايا بدون مقابل‘«. في المقالة، شي ين هونج، مدير مركز الدراسات الأمريكية في جامعة رينمين، أشاد بالمزايا الجغرافية السياسية التي يفترض أن صعود الصين مجدداً أحضرها إلى العالم، ثم تساءل: يقول أوباما إن الصين كانت «تتمتع بمزايا بدون مقابل» منذ ثلاثة عقود، لكن ألم تستفد الولاياتالمتحدة من طفرة الصين الاقتصادية والسياسة الخارجية السلمية؟ يوم الأربعاء، قامت صحيفة الشعب اليومية بتقديم رأي مرة أخرى، لكن هذه المرة بمقالة افتتاحية (علماً أن مقالاتها الافتتاحية هي بيانات رسمية للسياسية بالنيابة عن الحزب الشيوعي) تُشير كيف أن انتقادات أوباما قد أغضبت الزعماء الصينيين. حيث تذكر المقالة العلاقة «الواضحة» بين الفوضى الحالية في العراق وقرار الولاياتالمتحدة في عام 2003 «بشن حرب وحشية في العراق لإسقاط نظام حكمها». ومن ثم في فقرة، تم بعد ذلك نشرها جزئياً في المواقع الإخبارية باللغة الإنجليزية التابعة لوسائل إعلام الدولة (تحت عنوان غير مفهوم وبعيد عن الموضوع «صحيفة رائدة تنفي استغلال الصين للعراق»)، تقوم بتقديم هذه الضربة الواضحة: إذا أراد الأمريكيون مقارنة أنفسهم مع الصين في العراق، لن يقوموا سوى بإحراج أنفسهم أكثر. من الواضح أن أمريكا هي «الغازي» و«الهارب» في حين ان الصين قامت دائماً بلعب الدور السلمي ل«الشريك» و«الباني». من الصعب القول إن الصين قامت بلعب دور «الباني» البنّاء في الأعوام الأخيرة في العراق، خاصة مع توسّع مصالحها النفطية، تماماً كما هو من الصعب مواجهة ادّعاء الصين بأن أخطاء الولاياتالمتحدة ساهمت بصعود الدولة الإسلامية. لكن بصرف النظر عن صحة ذلك من عدمه، فإن النفط، واحتياجات الطاقة التي لا يمكن إشباعها لدى الصين، هي من شبه المؤكد أن تدفع بكين لتقوم بدور أكثر نشاطاً كوسيط في الشرق الأوسط. آن الأوان لأن تتوقف الصين عن محاربة الواقع.