أرسلت لي أخت فاضلة من العراق، عن رجل بريطاني يدعى( فيليب. جي. بارني) عاش في الخليج ثلث قرن؛ فملأ ثلث طن من الدولارات واليورو والذهب والياقوت والمرجان، ثم تقاعد في منزله في ضواحي ويلز مع الخرفان والأعشاب، وبدأ في شتم الخليج، ولكنه اعترف بأن البترول أرخص من الماء، وأن الحياة أرخص من شم الهواء والعطاس، وأن الغرب يدفع فيه الإنسان من الجيب في كل شيء باستثناء استنشاق الهواء، وهو أمر أعرفه جيدا من كندا، وأن من يريد ملء الجيوب بدون ضرائب، فليعش في شواطئ اللازورد الخليجية، حتى يمتلئ ثم ليرحل فليلعن، وهو ما يفعله كثير من الطليان والجرمان، وممرضات كندا والفلبين، وعمال البنغال وجزيرة سيلان، ومحاربي الغوركا من جبال هيمالايا. يشتغلون ويملؤون ثم يلعنون!! لعل أفضل وصفة للعيش قالها بريان تريسي أن يتعامل المرء مع الوسط المحيط به بإيجابية، وما ذكر فيليب بارني الإنجليزي التعيس هي رؤية نصف القدح الفارغ، فقسم منه صحيح، وقسم منه مبالغ، وقسم منه أقل من الواقع، وأنا رجل عاش بين ألمانياوكندا وسوريا والسعودية، فأعرف أن الجنة ليست على الأرض، وأن الإنسان خلق ليكدح كدحا فيلاقي الرب فيخبره عما اقترفت يداه، ولا ظلم هناك، والأرض كلها ظلم وظلمات. وقد يتساءل المرء فيطرح هذا السؤال الجوهري المحير؛ أين تعيش؟ وهو سؤال ليس فيه جواب بنعم ولا! فمكان مناخه جميل والديكتاتورية وسخ للخناق! ومكان مريح ولكنه براد للفكر! ومكان ضمانات مع ضرائب لا تبرح يراها الإنسان في المنام مع الأحلام مثل كوابيس الشيطان. وقد وقف إدوارد سعيد في كتابه "المثقف والسلطة" في حديث مفعم بالألم والمرارة عن الهجرة، والرجل هاجر فلم يعد لفلسطين إلا جثة، والقباني شاعر النهود والغزل بقي في سويسرا حتى نقل بكفن إلى جبانة الدحداح، وأنا هاجرت وأظن أنني سأموت في المنفى، ولن أحظى بمقبرة العظام كما فعل "الفرنساوية" مع فيكتور هوجو وفولتير، ونحن عباد الله، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه. ومن قبل هاجر سيد الأنبياء إبراهيم؛ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم، ثم قال إني مهاجر إلى ربي، وهي فلسفة كاملة، شجع عليها القرآن جدا، فقال إن من يرضى بالاستضعاف فلا يهاجر فهو من أهل الجحيم مرتين في الدنيا والآخرة. كله من أجل أن يعيش الإنسان ولنقل بشكل أدق يحاول أن يعيش وفق الشروط التي يريدها. وفي قناعتي أن أعظم جدل يواجه الإنسان؛ هو أين يعيش؟ ولماذا يعيش؟ وكيف يعيش؟ في أسئلة مصيرية لوجود الإنسان، وأذكر من الفيلسوف فتجنشتاين أنه رأى في الفيلسوف هو ذلك الإنسان الذي لا تستعبده وظيفة، بل يقوم باكتشاف الحياة بالتنقل بين المهن، كما جاء في فيلم (امسك بي إن استطعت) وهو فيلم جدا مثير، عن التنقل الماكر بين مهن شتى. وفتجنشتاين الفيلسوف النمساوي اشتغل بوابا على بناية، وأستاذا جامعيا، ومحاربا في جبهة التيرول وسقط في الأسر، فضرب بالفلق حتى انفلق، و"جناينيا" (رعاية البساتين)، ولم ير أن أي مهنة تعيب الإنسان، بل إن الإنسان خلق للعمل فهو روح العبادة، وفي القرآن؛ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون. وأذكر جيدا عن (كولن ولسن) وتاريخه الشخصي أيضا صاحب المؤلفات الغزيرة (اللامنتمي سقوط الحضارة راسبوتين خفايا الحياة الحياة بعد الموت... إلخ ولعل لي رجعة له بالتفصيل في مقالة لاحقة) أنه لم يترك مهنة إلا وتعرف عليها. مشكلة المهنة أنه لا بد من الاستقرار فيها حتى يبدع الفرد، كما يقول المثل من "ثبت نبت". وأنا شخصيا جربت مهناً شتى، وما زلت أحب تعلم كل مهنة، وخوفي فقط من الكهرباء، لأن الغلطة فيها لا تزيد الخبرة إلا خبرة الموت الأخيرة، فقد جربت النجارة وأحببتها وهي مهنة نوح، وجربت التجارة وهي مهمة عمل بها نبي الرحمة لخديجة قبل زواجه بها صلى الله عليه وسلم، وزاولت كل فنون الرياضة، وبقيت في كمال الأجسام أكثر من ثلاث سنوات، وقطعت سباحة كيلومترات متتابعة، وركضت في كرة القدم والسلة حتى عييت يداي وكلَّ ساقي، وعملت في الطب في فروع شتى، أعجبت فيها يوما بالعظام وهندستها، والبولية وفتح الطرق المسطومة، وجراحة البطن وليونتها، و عفوا جراحة الشرج وتلطيف الآلام والمزعجات؛ فهذا اختصاص قائم بذاته، ثم أدركت أن جراحة الأوعية هي أم الجراحات لأن ما يخافه الجراحون من النزف هم سادته وأولاؤه، إلا بذكر جراح الأوعية تطمئن قلوب الجراحين.. وهكذا رسمت لنفسي قدرا مختلفا بتنوع المهنة، أمسك بيد مبضع الجراح، وبيد ريشة الكاتب، هنا لوحة سيريالية من جراحة جميلية، يسيل منها الدم الأحمر مدرارا، بترقيع شريان خرب، ووعاء منخور مختوم بغير رحيق، وبيد ثانية ريشة وقلم يتدفق منها المداد الأسود، مقالات شهية في علوم طرية، تسلك قنوات الفكر المسطومة في عقول المتشددين والملحدين. قلت للأخت شارحا، ولفلسفتي في الحياة مبينا، أنا رجل لا أرتبط بأرض، بل أنا إنسان على دين إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين أبو الأنبياء الأولين عليه السلام إلى يوم الدين، الذي غادر بلاد الكرمنج والطوخلركيه ونينوى والنمرود، إلى بلاد فرعون وثمود، ثم بنى أول بيت للناس وقال رب من ذريتي قال الرب لا ينال عهدي الظالمين، وأنا آليت على نفسي ألا أساكن الظالمين ولا يمسك رقبتي إنس ولا جان، وطني مكتبتي وأفكاري، كما قال ذلك إيراسموس من روتردام الفيلسوف الإنساني، فالأرض مفتوحة أمامي، بحمد الله تعالى أطير منها إلى أي مكان، وجاهز لمغادرتها في أي لحظة، بما فيها الحياة، ومقالتي هذه وصية؛ فليحفظها عني القراء، فنحن ضيوف على الحياة، لا ملاك عقاراتها، كما يخيل للمخبولون المنتفخون بالمال السحت من الهوامير. وقد يطيرني خصومي مثل ديك الحبش في أي لحظة، سواء من منبر وصحيفة ووظيفة، فأنا أكتب كل مقالة كتابة مودع بما فيها هذه المقالة، وهذا سر تنقلي بين المنابر، فمكان نطير منه بعد مقابلة، وآخر بنصف مكاتبة من فاكس طائش، كما حصل معي في مقابلة مكاشفات فطردت من جنة المتشددين فأشقى، أو من مكان لاحق بصاروخ صيني من هضبة الحداثيين، وأنا جاهز لهذه اللحظة كما سأودع الحياة في أي لحظة، فهذه الدنيا ليست مكانا آمنا بحال، وليس هناك من عقود على الأبدية، ومنها خلقناكم وفيها نعيدكم، ومن أراد أن يرتاح فليسأل نفسه ماذا يريد؟ . والجنة ليست في أرض الفرنسيس والجرمان ولا كندا ويوكوتان ولا أم القيوين وهمذان. والحياة كدح، والموت مصير، وهذه الدنيا لا تبقى على حال لها شأن، فهي تتغير؛ فيفقر الإنسان، ويبلى ويموت، ويصبح عظاما نخرة، قالوا تلك إذا كرة خاسرة. وتتلاشى الأحلام إلا من رحمة الرحمن وهي خير وأبقى.. والويل لمن يغادر هذه الدنيا بظلم... فالآخرة ليست مكانا للظالمين، والنار أعدت لكل جبار عنيد مناع للخير معتد أثيم، وتقول كلما دخلها فوج من الطغاة مستعرين.. هل من مزيد؟؟ إنها أفكار تحرضت من الذكرى والشجون ومرارة السجون والسنين..