اعتماد وزارة البلديات والإسكان مسمى «التاجر المتنقل» بديلا عن «الباعة الجائلين» تعد خطوة تنظيمية مهمة، لكنها تطرح سؤالًا مباشرًا: كيف تكون المنافسة عادلة بين من يعمل من محل ثابت، ومن يعمل دون هذا الالتزام؟ صاحب المحل يدفع مقابل البقاء؛ إيجار، تجهيزات، والتزام يومي حتى في الساعات الهادئة. في المقابل، التاجر المتنقل يتحرك بحرية، يختار الموقع الذي يكثر فيه الزبائن. هذا الفرق لا يصبح مشكلة إلا عندما يلتقي الطرفان في نفس السوق ويخاطبان نفس العميل بشروط مختلفة. العدالة تبدأ من الموقع. ليس كل موقع له القيمة نفسها، حتى لو كان في الوقت نفسه. عند الساعة الثامنة مساء، عربة قهوة في ممشى مزدحم ستحقق مبيعات عالية، بينما عربة أخرى في حي هادئ في نفس الساعة ستحقق مبيعات أقل بكثير. إذا عومل الموقعان بنفس الرسوم والشروط، فإن الأفضلية ستذهب دائمًا لمن يعمل في الموقع الأعلى طلبًا. لذلك، يجب أن يعكس التنظيم قيمة المكان، لا أن يتجاهلها. ثم تأتي مسألة العدد. إذا تُرك المجال مفتوحًا، سيتجه الجميع إلى المواقع المزدحمة نفسها. مثال ذلك: موقع حيوي فيه عربة واحدة ناجحة، ثم يتحول خلال أشهر إلى خمس أو ست عربات تقدم نفس المنتج. هنا لا تزيد الخيارات، بل يزداد التزاحم، ويبدأ الضغط على المحلات القريبة التي تتحمل التزامات أعلى. ضبط عدد الأنشطة في كل موقع يمنع هذا التكدس ويحافظ على توازن السوق. أما الوقت، فهو جزء من العدالة أيضًا. صاحب المحل يعمل طوال اليوم، بينما يستطيع التاجر المتنقل أن يختار ساعات الذروة فقط. مثال واضح: مطعم يفتح من الظهر إلى منتصف الليل، لكن أغلب مبيعاته بين الثامنة والعاشرة مساء. إذا جاء تاجر متنقل ووقف أمامه فقط في هاتين الساعتين، فهو ينافس في أفضل وقت دون أن يتحمل بقية اليوم. هنا يجب أن يُنظم الوقت بحيث لا تتحول المرونة إلى ميزة غير متكافئة. تبقى النقطة الأهم وهي مسار النمو. إذا نجحت عربة صغيرة وازداد الطلب عليها بشكل مستمر، فمن غير المنطقي أن تبقى بالحجم نفسه وفي الموقع نفسه. مثال ذلك: عربة برغر يزداد عليها الإقبال يوميًا حتى يتكدس الزبائن حولها. تركها في الوضع نفسه لا يعد دعمًا، بل تجميدًا للنجاح. الحل أن تنتقل إلى مرحلة أعلى، إما بتوسيع نشاطها أو بالتحول إلى محل ثابت، بحيث يتحول الطلب الكبير إلى انتشار داخل السوق بدل أن يبقى محصورًا في نقطة واحدة. هذا الانتقال لا يجب أن يكون اجتهادًا شخصيًا، بل يعتمد على تقييم واضح مبني على بيانات مثل حجم المبيعات واستمرارية الطلب. هنا يأتي دور وزارة البلديات والإسكان عبر استخدام أدوات رقمية ومراقبة ميدانية لضبط هذا التوازن. في مدن مثل نيويورك ولندن، لم يُترك هذا التوازن للصدفة، بل جرى تحديد المواقع وعدد الأنشطة بدقة. وفي سنغافورة، أُعيد تنظيم النشاط داخل مراكز مهيأة تقل فيها الفوارق وتُدار المنافسة بشكل أوضح. السوق يحتاج إلى المنافسة، لكنه يحتاج قبلها إلى توازن. لأن المشكلة ليست في وجود التاجر المتنقل، بل في بقاء شروطه مختلفة عن غيره دون تنظيم. نجاح الفكرة لن يُقاس بعدد من دخلوا السوق، بل بقدرة السوق على استيعابهم دون أن يختل.