في إحدى الدورات التي أقمتها بمعهد الإدارة قبل سنوات، كان من ضمن محاور الحقيبة التدريبية محورٌ عن مهارات حلّ المشكلات.. وبعد أنْ انتهيتُ من شرح ذلك المحور وتمارينه للمتدربين، أحببتُ أن أضيف لهم طريقتي الخاصة في التعامل مع المشكلات، التي أستخدمها منذ سنوات طويلة ولا أذكر أنها خذلتني أبدًا، حيث ظهرتْ لي بوضوح فائدتها العظيمة، وصلاحيتها للتعامل مع كل أنواع المشاكل. طرحتها على المتدربين، وكانت المفاجأة أنّهم أعجبوا بها إعجابًا كبيرًا فاق إعجابهم بما ورد في الحقيبة التدريبية، حيث أكّد الكثيرون منهم –في الأيام التالية من الدورة– أنهم جربوها على عدد من مشاكلهم ونجحوا في حلِّ العديد منها، وأنهم أوصوا بها أصدقاءهم وأقاربهم. وهذا ما جعلني أعتمدها عند الحديث عن المشكلات وطرق حلّها، سواء في معهد الإدارة، أو لطلابي في الكلية التقنية التي أعمل محاضرًا بها، أو في غير ذلك من المجالس والأماكن الواقعية والافتراضية التي ألتقي فيها بالناس، فالكل يثني عليها. واليوم: أحبُّ أن أقدّمها للقرّاء الأعزاء، وثقتي كبيرة أنها ستسعدهم وتساعدهم في التعامل مع العديد من المشكلات التي تواجههم وتؤرقهم، بشرط الالتزام التام والدقيق، بكل ما سأوضحه في الأسطر القادمة. الطريقة من نوع «السهل الممتنع»، والحقيقة أنّي لا أذكر مرجعًا محددًا أخذتها منه بصورتها المعتمدة عندي، فقد كنتُ قبل سنوات طويلة أقرأ في مواضيع كثيرة ذات علاقة بالمشكلات، وخرجتُ من كل ذلك –بعد تجارب كثيرة– بهذه الطريقة التي أخضعتها لمراحل من التنقيح والتشذيب والمراجعة، حتى تبلورت واستقرّت على صورتها النهائية. الطريقة تحتاج إلى عدد من الأوراق البيضاء الفارغة، وقلم، فقط. فعند حصول أيّة مشكلة تزعج صاحبها وتكدر عليه صفو حياته، يتعامل معها وفق الخطوات التالية: 1- تسمية المشكلة، ووضع عنوان واضح لها؛ أي الإجابة عن السؤال التالي: ما هي المشكلة بالضبط؟! وهذه الخطوة في غاية الأهمية، فلا بد من تحديد المشكلة؛ لأنّ الكثير من المشكلات هي في حقيقتها «مشكلات مزيفة»، أو وهمية إن صحَّ الوصف، أي أنها ليست مشكلات حقيقية أصلاً. فعندما يشعر موظف مثلاً أنّه يرغب في ترك وظيفته لوجود مشكلة ثم لا يحدّد المشكلة ولا ينجح في وضع عنوان واضح لها، أو عندما يشعر أحد الزوجين أنّه يريد الانفصال لوجود مشكلة لا يعرف ما هي بالضبط ولا يستطيع تسميتها بشكل دقيق، أو عندما يشعر أيُّ إنسان بوجود مشكلة غير واضحة المعالم ولا العنوان، ولا يستطيع الإجابة عن سؤال: ما هي المشكلة بالضبط؟؛ فهذا يعني عدم وجود مشكلة أصلًا، أو أنها أمر تافه أو غير مؤثر أو لا يرقى ليكون مشكلة حقيقية. فالكثير من «المشاكل المزيفة» تموت وتنتهي عند هذه الخطوة، فكل مشكلة لا يستطيع صاحبها تسميتها ووضع عنوان لها، هي مشكلة مزيفة أو وهمية أو تافهة يجب تجاهلها. 2- ما هي أسباب المشكلة؟ أو: لماذا تشعر أنها مشكلة أصلًا؟ وفي هذه الخطوة يضع الإنسان عددًا من الأسباب التي أدّتْ إلى هذه المشكلة، أو التي تجعله ينزعج ويعاني منها، أو التي جعلتْ هذا الموضوع الذي يعتبره مشكلة يسيطر على تفكيره وينكّد عليه ويكدّر حياته. وهنا قد تموت المشكلة أيضًا في هذه الخطوة؛ لأنّ بعض المشاكل تصبح عديمة التأثير بمجرد عجز صاحبها عن وضع أسباب واضحة لحدوثها أو لانزعاجه منها أو لتأثيرها السلبي عليه. 3- يضع صاحب المشكلة كلَّ سبب من الأسباب في صفحة مستقلة، ثم يبدأ –بتفكير عميق وتأمل وهدوء– في كتابة عدد من الحلول المقترحة للقضاء على هذا السبب وحده فقط، وليس للقضاء على المشكلة كلّها. 4- يبدأ بالمفاضلة، فيختار من الحلول المقترحة للقضاء على كلِّ سببٍ الحلولَ الأقوى وفق تقديره، والأفضل أن يختار حلّاً واحدًا فقط لكل سبب، فكلما قلّت الحلول المختارة فهذا أجدى في نظري. 5- يبدأ بتأمل الحلول النهائية المختارة في كل صفحة من صفحات أسباب المشكلة، ثم يبدأ في تنفيذها واحدًا تلو الآخر، بهدوء وحكمة وتركيز وإتقان. 6- سيموت وينتهي أولُ سببٍ من أسباب المشكلة عن طريق تنفيذ الحل أو الحلول المختارة للقضاء عليه، ثم سيموت الثاني بالطريقة نفسها، ثم الثالث والرابع، وهكذا دواليك، حتى القضاء على جميع أسباب المشكلة، وبالتالي القضاء على المشكلة برُمّتها تدريجيًا، فمع كل سبب ينتهي تضاعف المشكلة، وفي النهاية تموت المشكلة كليًا بالقضاء على جميع أسبابها.