أخطر ما في الحروب ليس ما يُرى في السماء من صواريخ وطائرات مسيرة فحسب، بل ما يدار في الخطاب السياسي الذي يسبقها ويصاحبها ليبررها ويعيد تفسيرها، ففي الحرب المتصاعدة اليوم بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، أصحبت المنطقة أمام مشهد يتكرر بصورة شبه نمطية: مفاوضات، ثم تعثر المفاوضات، ثم تصعيد عسكري، فخطاب إيراني ثوري ضد الغرب، ثم نقل المواجهة -أصالةً أو وكالةً- إلى جغرافيا أخرى قريبة. هذه الحرب ليست حرب السعودية ولا دول الخليج، فدول الخليج حاولت بإخلاص دفع شرور هذه المواجهة عبر قنواتها الدبلوماسية، بل كانت عمان وسيطًا وحيدًا وفاعلًا في محاولة التوصل إلى تسوية بين الجانبين لدفع غوائل هذه الحرب العبثية في نتائجها وأضرارها، والتي اتضح بما لا يدع مجالًا للشك أن أمريكا لم تكن على دراية كافية فيما يمكن أن تسببه، ناهيك عن الأغراض الخفية لنتنياهو منها، ومن هنا وجدت السعودية ودول الخليج نفسها مرة أخرى أمام صراع تُفرض تداعياته عليها رغم أنها تعمل منذ سنوات على تثبيت معادلة مختلفة في المنطقة تقوم على الاستقرار والتنمية وبناء الاقتصاد. إن ما يجري اليوم في المنطقة يكشف حقيقة إستراتيجية طالما حاولت طهران إخفاءها خلف خطابها الثوري؛ فإيران لا تسعى فقط إلى الرد على خصومها، بل إلى إعادة توزيع الصراع بحيث تتحمله جغرافيا أخرى، ومن هنا يصبح الخليج الهدف الأقرب كلما اشتدت الضربات على إيران أو اقتربت المواجهة بينها وبين الغرب، غير أن ما لم تحسبه طهران بدقة هو أن دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تمتلك اليوم مزيجًا نادرًا من القدرة العسكرية المتقدمة والاتزان السياسي العميق، فقد أثبتت الرياض أنها قادرة على حماية مدنها واقتصادها ومنشآتها الحيوية، وفي الوقت نفسه قادرة على تجنب الانجرار إلى حروب عبثية تريدها قوى أخرى، وهذه المعادلة -معادلة القوة المنضبطة- حرمت مشاريع الفوضى تلك من هدفها الحقيقي وهو: تحويل الخليج إلى ساحة حرب دائمة. إن جذور هذه الحرب تعود إلى صراع أوسع يتداخل فيه المشروع الإقليمي الإيراني مع الحسابات السياسية لحكومة بنيامين نتنياهو، الذي يواجه بدوره أزمات سياسية وضغوطًا داخلية هائلة نتيجة سياساته وحروبه وأزماته المتراكمة، وفي مثل هذه اللحظات التاريخية كثيرًا ما يلجأ القادة السياسيون إلى توسيع الصراعات الخارجية لإعادة تشكيل المشهد الداخلي وتغيير مسار النقاش العام. بدأت الشرارة الأولى للتصعيد بهجمات جوية مكثفة شنتها أمريكا وإسرائيل على أهداف عسكرية ونووية داخل إيران، وقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن هذه الضربات جاءت «للدفاع عن الشعب الأمريكي من التهديدات الوشيكة من النظام الإيراني»، وبغض النظر عن الجدل الكبير حول دوافع هذه الضربات ومبرراتها، فإن النتيجة المباشرة هي فتح باب التصعيد على مصراعيه، فإيران ليست نظام سوريا البائد يسقط بزوال الطاغية، بل دولة مؤسسات عسكرية وأمنية وتشريعية فيما دون الهياكل الدينية -التي تعطلت جزئيًا في هذه الحرب-، وهذه المؤسسات تضع نصب عينها مسألة البقاء، والاستمرار. لم يتأخر الرد الإيراني كثيرًا، إذ جاء على شكل موجة واسعة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، لكن اللافت والمثير للقلق أن هذا الرد لم يقتصر على استهداف إسرائيل أو المواقع الأمريكية في المنطقة، بل امتد ليشمل وبشكل أكبر دول الخليج العربي بلا استثناء، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ فاستهداف دول الخليج لا يغير موازين الحرب مع إسرائيل أو أمريكا، لكنه ينقل الحرب إلى ساحة أخرى ويضع دولًا لم تكن طرفًا في الصراع في قلب المواجهة، إن ضرب المنشآت النفطية أو الموانئ أو البنية التحتية الخليجية لن يكون ردًا على إسرائيل بقدر ما سيكون توسيعًا لدائرة الحرب، وتهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي، واستقرار الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد الدولي. ومنذ عقود، تقدم إيران نفسها في خطابها الرسمي بوصفها قوة «مقاومة» في مواجهة الهيمنة الغربية، وتؤكد باستمرار أنها لا تسعى إلى زعزعة استقرار المنطقة، غير أن الوقائع على الأرض تكشف نمطًا مختلفًا تمامًا؛ ففي كل أزمة كبرى يظهر سلوك يكاد يكون ثابتًا: خطاب تهدئة في العلن، يقابله سلوك تصعيدي عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة في الميدان، وهذا التناقض ليس مجرد ازدواجية سياسية عابرة، بل تحول إلى ما يشبه العقيدة الإستراتيجية للنظام الإيراني؛ إذ تعتمد طهران على مزيج من الرسائل الدبلوماسية الهادئة بالتوازي مع أدوات ضغط عسكرية أو شبه عسكرية في محيطها الإقليمي، فبينما تتحدث عن «حسن الجوار» و«الصداقة مع دول المنطقة»، ترتبط في الواقع بشبكة واسعة من الجماعات المسلحة الممتدة من العراق إلى لبنان مرورًا بسوريا واليمن، وهذه الشبكة ليست مجرد تحالفات سياسية، بل أدوات إستراتيجية تسمح لطهران بإدارة الصراع من مسافات متعددة دون الدخول في مواجهة مباشرة. وقد رأينا نماذج من هذا السلوك في سنوات سابقة حينما تعرضت منشآت نفطية في الخليج لهجمات غادرة، بينما كانت الرسالة السياسية الإيرانية في الوقت ذاته تؤكد رغبتها في «خفض التوتر»، إنها المعادلة ذاتها التي تتكرر اليوم ولكن بصورة أكثر حدة: قول مرن أمام الميكروفونات، وفعل صلب في الميدان. إن توجيه الضربات إلى الدول الخليجية جزء من عقيدة إيرانية تنهج سياسة «المخاطرة العالية»، أو ما يمكن وصفه -كما في الأدبيات الإستراتيجية- بسياسة «حافة الهاوية»، والتي تعتمدها طهران في إدارة صراعاتها الإقليمية، ومفادها أنه إذا تعرضت إيران لهجوم ما فإن دول المنطقة ستتعرض بدورها لهجمات ترفع كلفة الحرب على الجميع، بحيث تتحول المواجهة إلى صراع إقليمي واسع يدفع المجتمع الدولي إلى التدخل لوقفها، غير أن هذه الإستراتيجية، رغم ما تمنحه من أوراق ضغط مؤقتة، تحمل في داخلها خطر الانفجار الكبير؛ فكلما توسعت ساحات الاشتباك غير المباشر زادت احتمالات الخطأ في الحسابات، وتحولت الحروب المحدودة إلى نزاعات إقليمية واسعة قد تخرج عن السيطرة. وفي تطور لافت جاء بعد كتابة هذا المقال، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اعتذاره لدول الخليج عن الضربات التي طالت أراضيها، مع تعهده بإيقافها ما لم تستخدم أراضي هذه الدول لشن هجمات ضد إيران، غير أن هذا الاعتذار، بقدر ما يبدو رسالة تهدئة، يكشف في الوقت ذاته عن المفارقة التي حكمت السلوك الإيراني في المنطقة لعقود: خطاب سياسي يتحدث عن الجوار والأمن الإقليمي، يقابله واقع ميداني تدار فيه الأزمات بسياسة «حافة الهاوية»، حيث يدفع بالمنطقة إلى حافة التصعيد ثم يُعاد تقديم خطاب التهدئة، وهنا تتجلى خطورة اللحظة الراهنة؛ فبينما حرب نتنياهو التي تبحث عن توسيع المواجهة، وخطاب الملالي الذي يجمع بين التصعيد والاعتذار، تجد المنطقة نفسها رهينة لعبة سياسية خطرة تنقل فيها كلفة الصراع إلى جغرافيا الآخرين.