في كتابه Prison Notbooks، «دفاتر السجن» المنشور عام 1947، عرف المفكر الإيطالي أنطونيو جرامشي «المثقف العضوي» بأنه نقيض «المثقف التقليدي». إذ يؤكد أن كل إنسان مثقف؛ لكن ما يتميز به المثقف البارز في مجتمعه هو الدور الذي يقوم به. فالمثقف العضوي في مفهوم جرامشي ليس الفيلسوف أو الأديب أو الفنان المعزول عن مجتمعه، وإنما هو الفاعل الاجتماعي الذي ينشأ من ذات البيئة الاجتماعية. ما دفعني لكتابة هذا المقال، مشهدان حدثا في فترة قصيرة. الأول هو متابعتي لتفاعل رئيس مجلس الهيئة العامة للترفيه المستشار تركي آل الشيخ مع الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ليس تفاعلا رسميا؛ إنما مباشرا وسريعا؛ الأمر الذي يبدو عليه أنه فاعل اجتماعياً، يتحدث إلى العديد من شرائح المجتمع بلا وسطاء. المشهد الآخر والذي ربما كان بسيطا وعفويا، كان في مناسبة اجتماعية جمعتني بشاعر نبطي قدير. كنا نتناوب إلقاء قصائدنا وكأننا في سوق كلٌ يعرض بضاعته. فهو يقول قصائده بالشعر النبطي. وأنا أتنقلُ في قصائدي بين الفصيح والنبطي. كان الرجل بحرا من الشعر، والمجلس يميل بذائقته إلى النبطي؛ وبعد عدد من القصائد، وجدت نفسي أرفع راية الاستسلام وأقول إنه لم يتبقَ لدي إلا قصائد الفصيح. فعلق: إن «لكل مقام مقال». لم يكن إقصاء أو تعالياً منه ولكن كان عن إدراك للجو العام. فلم أجادله. ليس لأن الفصيح أقل شأناً، بل لأنني ابن المجتمع وأدرك ما يقوله، كما أنني لست منحازا لفئة ضد أخرى، فأنا أكتب الفصيح حين يخدم المعنى، وأكتب العامية حين تكون أبلغ في التعبير عن الشعور. كما أنني مدرك أن القلة فقط من شعراء الفصيح المعاصرين استطاعوا أن يصلوا إلى الذائقة العامة دون أن يفقدوا قيمتهم. من هنا تتضح الحاجة إلى ما يمكن تسميته «الأديب العضوي». إذ إن الانطباع السائد أن الأدباء أو شعراء الفصيح يتحدثون بلغةٍ تفصلهم عن المتلقي البسيط. هذان المشهدان دفعاني للكتابة عن مفهوم المثقف العضوي الذي قدمه جرامشي. هذا المفهوم يساعدنا لفهم رؤية 2030 بوصفها أكثر من مجرد خطة اقتصادية. إذ إنها رؤية تشمل النقلة الثقافية للمجتمع. ففي هذا السياق، نجد أن أهمية دور المثقف العضوي تكمن في وصفهِ حلقة وصل بين الرؤية كفكر، وبصفتها تجربة حية يعيشها المجتمع. فالتحول في أي قطاع لا يعتمد فقط على القرار وإنما على فهم وتفاعل المجتمع معه، من خلال استيعابه كممارسة يومية. فالمثقف بهذا المعنى قد يكون قانونيا يقرب النظام القانوني للناس، أو أستاذاً يربط المعرفة بالواقع أو إعلاميا يصوغ لغة مشتركة للفهم. فالدور المهم الذي يقوم به هو تحويل الأفكار أو نصوص النظام أو القرارات السيادية إلى معنى بلغة مشتركة، يستطيع أفراد المجتمع التعامل معها في حياتهم اليومية. فالترفيه، على سبيل المثال، الذي كان ينظر إليه سابقا بوصفه قطاعا ثانوياً، أصبح في إطار رؤية 2030 أحد أهم أدوات التعبير عن جودة الحياة، التي تتمثل في الازدهار المجتمعي واستدامته. ففي هذا الإطار، يمكن قراءة ما يفعله المستشار تركي آل الشيخ بوصفه دورا ثقافياً يتجاوز الإدارة التقليدية. فالحضور المتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بلغة مباشرة وقريبة من الناس، حوّل هذه المنصات إلى مساحة تواصل يومي. هذا النوع من التواصل أسهم في خلق شعور المشاركة، حيث أصبح الجمهور جزءا من المشهد لا مجرد متلق له. إلى جانب ذلك، جاءت العقود والشراكات التي أبرمت في مجالات الترفيه والفنون لتوسع نطاق التجربة الثقافية داخل المملكة. هذه الشراكات لا تًقرأ فقط من زاوية اقتصادية، بل من حيث ما أتاحته من تجارب جديدة قٰدمت ضمن سياق محلي مفهوم، ما جعلها أقرب إلى الذائقة العامة وأكثر انسجاما مع الواقع الاجتماعي. هنا يتضح دور المثقف العضوي في تطبيق رؤية 2030 فهو لا يقدم شروحا نظرية للرؤية، ولا يتحدث باسمها بقدر ما يترجمها إلى تجربة ملموسة، ما يجعل التحول مفهوما دون أن يفقد عمقه، ومقبولا دون أن يتحول إلى شعارات. فنجد أن رؤية 2030 تراهن على الإنسان بوصفه محور التغيير، وتدرك أن التحول الحقيقي يحتاج إلى وقت وإلى مساحة للتنوع في التجربة، دون فرض نموذج واحد للحياة.