نشرتْ دوريّةُ «كورييه أنترناسيونال» الفرنسيّة، في عددها رقم 1824 الصادر في 16 - 22 أكتوبر2025، نصّاً لليابانيّ كينجي تامورا Kenji Tamura، كان قد نُشر في صحيفة «أساهي شينبون» اليابانيّة The Asahi Shimbun بتاريخ 9 مايو 2025. وقدَّم القيّمون على الصحيفة مقالة كينجي تامورا كالآتي: «في اليابان، كثيرة هي الفِرق العلميّة التي تسعى إلى إيجاد تقنيّة لتحليل الموادّ البيرفلورو ألكيليّة ومتعدّدة الفلورو ألكيليّة - المعروفة اختصاراً بPFAS. وقد وَجدوا بالفعل بعض الحلول، غير أنّ بعض العقبات لا تزال ماثلة أمام تطبيقها في ظروفِ استخدامٍ فعليّة». الPFAS، كمركّب كيميائيّ ثابت للغاية ومكوَّن من فلورٍ عضويّ، يكاد لا يتحلّل في الطبيعة بسهولة، ما جَعَلَهُ من «الملوِّثات الأبديّة». وتُعاني فِرقٌ من الباحثين حاليّاً صعوبات في إيجاد طريقة تَسمح بتفكيكه إلى موادٍّ غَير ضارّة. إنّ الآثار الضّارة لهذه الموادّ على الصحّة مُثيرة للقلق: الPFOS [حمض البيرفلورو أوكتان سلفونيك] والPFOA [حمض البيرفلورو أوكتانويك] هُما مادّتان تنتميان إلى عائلة الPFAS، وقد تمّ تسليط الضوء عليهما لارتباطهما بانخفاض وظائف الكبد، ونقْص الوزن لدى حديثي الولادة، وسرطانات الكلى والثدي. المحفِّز الضوئيّ في مُختلف أنحاء اليابان، تمّ رصد تركُّز كمّيات من الPFAS في الآبار ومجاري المياه التي تتجاوز معدّلاتُها القيَم المرجعيّة. وقد أُطلقت حملات لتنقية المياه بوساطة الفحم النّشط [الذي يَحتجز هذه الملوِّثات من دون الوصول إلى تحلّلِها]. لكن إذا لم يتمّ تخزين هذا الفحم بشكلٍ صحيح بعد استخدامه، لا يُمكننا استبعاد انتشاره ذات يوم في البيئة، وأن يغدوَ مصدراً جديداً للتلوُّث، وهذا هو السبب الذي يجعل من الضروريّ إيجاد حلولٍ لتفكيك الPFAS إلى موادٍّ غير ضارّة. يُعَدّ حَرْق هذه الموادّ العضويّة حاليّاً أحد أكثر التقنيّات شيوعاً. مع ذلك، فإنّ تحلُّلَها الكامل يتطلّب درجات حرارة عالية تزيد على 1000 درجة مئويّة. كما أنّ ذلك يَدفع إلى استهلاك كميّة كبيرة من الطّاقة، بينما الغاز المُنبعث من عمليّة الحرق من شأنه أن يتلف الأفران بسرعة. فضلاً عن ذلك، تُظهر بعضُ الدراسات إمكانيّة نفاذ جزء من مادّة الPFAS المُراد والمُفترَض تحلّلها، بحيث ينتهي بها المطاف بالهروب إلى الهواء. لكن في العام الماضي، أعلن البروفيسور اليابانيّ يوجي كوباياشي Yoichi Kobayashi وفريقه من جامعة ريتسوميكان Ritsumeikan أنّهم طوَّروا طريقةً لتفكيك الPFOS بوساطة اللّد [صمّامات باعثة للضوء/LED). تتمثّل هذه الطريقة في خلْط 0.65 ميلّلغراماً من الPFOS مع 1 ميلّلتر من المياه وبلّوراتٍ نانويّة nanocristaux (وهي بلّورات متناهية الصغر) من السولفور دو كادميوم Sulfure de Cadmium أو كبريتيد الكادميوم. بعدها، عرَّض الباحثون هذا الخليط لضوءِ اللّد. يَعمل كبريتيد الكادميوم، وهو مادّة شبه موصلة، كمحفِّز ضوئي تحت تأثير الضوء، فهو يُعزِّز التفاعُل الكيميائيّ. تسمح التقنيّة ب«كسر» الروابط السبعة عشر بين الفلور والكربون في الPFOS بثماني ساعاتٍ. ويُمكن بعد ذلك إعادة استخدام أيونات الفلورايد التي يتمّ إطلاقُها في الماء في إنتاج مركّبات الفلورايد الأخرى. الباحثون استخدموا الكادميوم، وهو معدن ثقيل مسؤول عن مرض إيتاي - إيتاي itaï - itaï [يعني حرفيّاً «مرض الألم الشديد»، ويشير إلى حالات التسمّم التي تفشَّت في محافظة توياما، شمالي غربي طوكيو في منتصف القرن العشرين]. ولتأكيد مبدأ هذه الطريقة، يتمّ التخطيط الآن لاستخدام بلّورات نانويّة من موادّ أكثر أماناً في المستقبل. ويشير البروفيسور كوباياشي إلى «توافُر بلّورات نانويّة أخرى بتكلفة منخفضة لتفكيك مركّبات الPFAS بكفاءة، من دون أن يترتّب عن ذلك أيُّ عبءٍ كبير على البيئة». ويتمثّل هدفه في إدخال هذه التقنيّة مباشرةً إلى المصانع، وتفكيك مركّبات PFAS الموجودة في المياه الصناعيّة الملوَّثة. وقد عَقَدَ الفريقُ بالفعل شراكاتٍ مع مؤسّسات لهذه الغاية. وأشار الباحث قائلاً: «نهدف مبدئيّاً إلى إنتاج لترٍ واحدٍ من المياه المُعالَجة في الساعة خلال سنتَيْن أو ثلاث سنوات». البروفيسور هيساو هوري Hisao Hori وفريقه من جامعة كاناغاوا Kanagawa University [جنوبي غربي طوكيو] يشتغلون من ناحيتهم على تحلُّل مركّبات الPFAS باستخدام الماء وهو في حالة دون الحرجة. ففي ظلّ الضغط الجويّ العاديّ، يغلي الماء عند درجة حرارة 100 درجة مئويّة، ولكن كلّما زاد الضغط زادت درجة حرارة الغليان. وبعد تجاوز ضغط معيّن، لا يغلي الماء، وذلك بغضّ النظر عن درجة الحرارة، ويُقال إنّ الماء الذي يتمّ الحفاظ عليه في حالة سائلة عند درجة حرارة عالية يكون دون الحَرِج. وخصائصه، المُختلفة عن خصائص الماء العادي، تَسمح له بتفكيك المركّبات العضويّة وتحلُّلِها. الباحثون من فريق هيساو هوري اختبروا طريقتهم من خلال الاشتغال على تحلُّل الFEP [إيثيلين بروبيلين مفلور أو Ethylène propylène fluoré]، وهو وليمر فلوريني أو مُبَلْمَر الفُلُور Fluoropolymère، الذي يُعَدّ جزءاً من مركّبات الPFAS، ويُستخدَم على نطاقٍ واسع في تصنيع الأنابيب المخصَّصة للظروف القاسية. ومن خلال تسخين المادّة مع كاشف قلوي (هيدروكسيد البوتاسيوم، أو البوتاس) في وعاء مُحكَم الإغلاق إلى درجة حرارة تبلغ 360 درجة مئويّة، تمّ كسْر روابط الكربون - الفلوريد فيها بشكلٍ شبه كامل. بذلك، تمكّنوا من استخلاص أيونات الفلوريد لإعادة تدويرها. صعوبات عمليّة هذه التقنيّة هي أقلّ استهلاكاً للطاقة من الحرق عند 1000 درجة مئويّة، وهي تحول دون انتشار حمض البيرفلورو أوكتانويك أو الPFOA. ويُشير البروفيسور هوري في هذا الصدد إلى أنّه «حتّى في حالة الPFAS، الذي يُسمح حاليّاً باستخدامه، من الضروري صوْغ أو ضبط طُرق تَسمح بتحلُّله وبمعالجته بشكلٍ آمنٍ». عددٌ محدودٌ من البلدان فقط، ومن بينها الصين، تُنتِج الفلور الذي تُصنع منه البوليمرات المُفلْوَرة أو الفلوريّة. وقد أدّى تزايُد الطلب العالَمي على هذه المادّة إلى صعوبة توريدها في السنوات الأخيرة. هكذا، فإنّ الطرق الآمنة التي تُستخدم في تحلُّل الPFAS ستُتيح استخراجاً أكثر عقلانيّة للفلورين Fluorine. ثمّة طُرقٌ أخرى متنوّعة تمّ اختبارها لتفكيك مركّبات الPFAS، على سبيل المثال الأشعّة فوق البنفسجيّة أو الكهرباء. وأخيراً، حظيت أعمالُ ريو هوندا Ryo Honda، الأستاذ في جامعة كانازازا Kanazawa (الساحل الغربيّ لليابان)، واشتغاله على تحلُّل هذه المركّبات باستخدام الكائنات الدقيقة، باهتمامٍ واسع. إلّا أنّ تطبيق هذه الطرق عمليّاً يُواجه عقباتٍ كبيرة. ومن أجل تنقية المياه المُستخدَمة في الحياة اليوميّة، من المُمكن أن يتمّ تحلُّل الPFAS بعد امتصاصها عن طريق الفحم النشط. لكنّ المياه الجارية تحتوي على كميّة أكبر من الموادّ العضويّة مُقارنةً بمركّبات الPFAS، وهذا ينطبق بشكلٍ أكبر على الجداول والمياه الجوفيّة. ويَشرح يوكو فوجيكاوا Yoko Fujikawa، الأستاذ في جامعة كيوتو ، قائلاً: «لدى مُعالجة المياه من البيئة الطبيعيّة باستخدام الكربون المنشّط، يلتقط الأخير الموادّ العضويّة الأخرى غير مركّبات الPFAS، وليس من السهل ولا من المجدي اقتصاديّاً جمْع تركيزٍ كافٍ من مركّبات ال PFAS فقط». خلال التجارب الأساسيّة، ثمّة تركيزات عالية من الPFAS التي يتمّ مزْجُها مع الماء لكي تتحلَّل. ومن أجل تطبيقٍ عمليّ، يكمن الرّهان أو التحدّي في إيجاد حلٍّ لفصل الPFAS عن الموادّ الأخرى بفعاليّة من دون التسبُّب في رفْع التكاليف بشكلٍ كبير. البحث في تحلُّل الPFAS يتطوّر أيضاً في الولايات المتّحدة الأمريكيّة، حيث التلوُّث في محيط المصانع الكيميائيّة والمُنشآت العسكريّة بات قضيّةً اجتماعيّة منذ العام 2000 تقريباً. مؤسّساتٌ ناشئة مموَّلة بسخاء تختبر طُرقا عدّة، يَستند بعضها إلى النتائج المعروضة من طَرَفِ فريق هيساو هوري. * ينشر بالتزامن مع دورية «أفق» الصادرة عن مؤسسة الفكر العربي